الاثنين، 30 نوفمبر، 2009

تشابهات الشعر الحديث في الأدبين العربي والفارسي

تشابهات الشعر الحديث في الأدبين العربي والفارسي

مقالة للأستاذ الدكتور شفيعي كدكني



قدَّم للدراسة ونقلها إلى العربية

د. بسام علي ربابعة


نشرت هذه المقالة في مجلة" أفكار" عدد 241، 2008

ومجلة" فصلية إيران والعرب" عدد23-24 ،2009

ومجلة " الدراسات الأدبية" لبنان عدد66 ، 2009م

مقدمة

صدرت الطبعة الثانية من كتاب" الشعر العربي المعاصر" باللغة الفارسية في طهران للدكتور شفيعي كدكني عام 2001م؛ في حين كانت الطبعة الأولى قد صدرت عام 1980، وجاءت هذه الطبعة متميزة عن أختها في احتوائها على الأصل العربي للمختارات الشعرية التي ترجمها المؤلف إلى الفارسية،و ترجمة مقالة موسومة بـ " أنقذونا من هذا الشعر" للشاعر العربي الكبير محمود درويش رحمه الله،بالإضافة إلى هذه الدراسة التي أقدمها اليوم للمهتمين بالأدب الفارسي المعاصر ودراسات الأدب المقارن بين العربية والفارسية ، وقد جاءت تحت عنوان: " تشابهات الشعر الحديث في الأدبين العربي والفارسي"، أما مؤلف الكتاب فهو الأستاذ الدكتور شفيعي كدكني الشاعر والناقد والأستاذ الجامعي الذي يتمتع بشهرة واسعة داخل إيران وخارجها؛ بيد أن المختصين باللغة الفارسية وآدابها في العالم العربي هم وحدهم الذين يعرفون الأستاذ الدكتور شفيعي كدكني ، ولذلك آثر المترجم أن يبدأ هذه الدراسة بالتعريف بهذا الأستاذ الجليل والعالم الفاضل الذي عز نظيره في الأدب الفارسي.

ولد شفيعي كدكني المشهور بـ:" م. سرشك" عام 1939 في قرية كدكن إحدى قرى نيسابور التابعة لخراسان، ودرس وترعرع في أحضان والده الذي كان له دور كبير في صقل شخصيته وتهيئته للمستقبل، وكأنه قد تنبأ بما سيكون لابنه من شأن في الأدب الفارسي، وقد رأى فيه ملامح النبوغ منذ طفولته، ثم التحق شفيعي كدكني بالحوزة العلمية في خراسان حيث بدا اهتمامه بالنصوص الكلاسيكية والعلوم الإسلامية، خاصة التصوف الإسلامي منذ نعومة أظافره، إذ ظهرت رغبته وتمايله إلى التصوف والعرفان، ولاسيما المدرسة الخراسانية (مقابل المدرسة البغدادية) جلية بارزة في غير موطن، حتى جاءت جهوده منصبه في هذا الجانب؛ فقد عمل على دراسة وتحليل الشخصيات المشهورة في المدرسة الخراسانية في مجال التصوف والعرفان، ومن أبزرها أبو سعيد أبو الخير وفريد الدين العطار، و... وما زال مستمراً في هذا الاتجاه حتى يومنا هذا؛ إذ صدرت له أخيرا خمسة كتب تناولت أعلاماً من هذه المدرسة ومنهم أبو سعيد أبو الخير، وأبو الحسن الخرقاني، وبايزيد البسطامي.

على أي حال، أمضى شفيعي كدكني سنواته الخمس عشرة الأولى في الحوزات العلمية في خراسان، دون أن يلتحق بالمدارس الحكومية، وكان مسروراً بهذا الصنيع؛ إلا أنه لم يستمر في هذا الاتجاه لأسباب كثيرة؛ فقد ترك الحوزة واتجه إلى التحصيل الجامعي؛ إذ التحق بجامعة مشهد وتتلمذ على يد أساتذة مشهورين كالدكتور "غلام حسين" يوسفي والدكتور رجائي الخراساني وغيرهما، وفي هذه المدة ظهرت نشاطاته في النوادي الأدبية، التي تعرف من خلالها على شخصيات بارزة مثل الدكتور علي شريعتي المفكر الإيراني المشهور، وفي سنة 1965 حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الفارسية وآدابها من هذه الجامعة، ثم انتقل إلى جامعة طهران لمتابعة دراسته العليا في برنامج الماجستير والدكتوراه في قسم اللغة الفارسية وآدابها، وفي جامعة طهران تعرف شفيعي كدكني على أساتذة كبار كبديع الزمان فروزانفر، وملك الشعراء بهار، والدكتور برويز خانلري، وفي سنة 1969 حصل على شهادة الدكتوراه في اللغة الفارسية وآدابها من جامعة طهران، وبدأ عمله أستاذاً في هذه الجامعة منذ تلك السنة، حتى وصل إلى درجة الأستاذية؛ ففي اليوم الذي ناقش فيه شفيعي كدكني أطروحته للحصول على درجة الدكتوراه في اللغة الفارسية وآدابها، كتب الدكتور خانلري رسالة إلى رئاسة الجامعة يوصي فيها بتعيينه أستاذاً في جامعة طهران وتمت الموافقة على ذلك.(1)

ما زال الأستاذ الدكتور شفيعي كدكني يدرّس في جامعة طهران ويشرف على طلبة الماجستير والدكتوراه، وقد تتلمذ على يديه عشرات الأساتذة حتى أصبح مدرسة لا يشق غبارها في اللغة الفارسية وآدابها؛ إذ إن شهرته طبقت الآفاق حتى أصبح حجة يستدل بها، فالإيرانيون عندما يريدون التدليل على قضية معينة، أو حل مشكلة عويصة، أو القول الفصل في مسألة ما عندما يحتدم النقاش بينهم يستشهدون بآراء الدكتور شفيعي كدكني فيقولون: يقول الدكتور شفيعي كدكني فتقطع جهيزة قول كل خطيب، وهذا ما لمسته بنفسي في المؤتمرات العلمية التي كنت أشارك فيها في إيران في السنوات التي قيض لي الإقامة فيها في طهران 1997-2004 للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه في اللغة الفارسية وآدابها.

يتقن الأستاذ الدكتور شفيعي كدكني اللغة العربية والإنجليزية بالإضافة إلى لغته الأم اللغة الفارسية، فقد بدأت اهتمامات باللغة العربية منذ طفولته، عندما كان يدرس النصوص الكلاسيكية ويحفظها عن ظهر قلب، إذ وهبه الله ذاكرة قوية جعلته يحفظ كل شيء من المرة الثانية، وآتت هذه الاهتمامات بالعربية نضجها وتبلورت في الدراسات والكتب التي ألفها حول الأدب الفارسي، والتصوف والعرفان، أو التي ترجمها عن اللغة العربية والتي تجلت في كتابه "شعر معاصر عرب" أي الشعر العربي المعاصر، الذي تناول فيه الشعر العربي المعاصر بالدراسة والتحليل، فقدم جهداً طيباً يشكر عليه في التعريف بالشعر العربي المعاصر وأشهر أعلامه، إذ إنه ترجم لمجموعة من الشعراء العرب المشهورين، كبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وأدونيس ومحمود درويش وصلاح عبد الصبور ونزار قباني وخليل حاوي ومحمد الفيتوري، بالإضافة إلى ترجمة مختارات من أشعار هؤلاء الشعراء،ولاقى هذا الكتاب كغيره من كتب الدكتور شفيعي كدكني إقبالاً كبيراً، ومن الجدير بالذكر أن هذا الأستاذ الفاضل عمل على ترجمة مجموعة من أشعار عبد الوهاب البياتي صدرت في طهران عام 1969 تحت عنوان "آوازهاى سندباد"أي أناشيد السندباد.

إن المدقق في هذا الكتاب يجد المؤلف ضليعاً باللغة العربية ومطلعاً على الأدب العربي وما يجري في الدول العربية، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار السنة التي صدرت فيها الطبعة الأولى، فإن هذا الكتاب يعد رائداً في التعريف بالشعر العربي المعاصر في إيران، وكما أعلم لم يسبق المؤلف شخص أخر في هذا المجال، بل إنه يمكن القول إن المؤلف لفت انتباه الآخرين إلى هذا الجانب، خاصة أنه كان قد نشر بعض مقالات هذا الكتاب والأشعار المترجمة في المجلات المعروفة التي كانت تصدر في طهران قبل أن يقدم على طباعته، والحقيقة أن هذا الكتاب يحتاج إلى دراسة معمقة توفيه حقه من البحث والدراسة والتحليل،وتقف على بعض الهفوات والأخطاء التي وردت في الكتاب ، ولذلك أكتفي بهذه الملاحظات على أن أعود إليه في مقالة أخرى إن شاء الله.

إن نثر المؤلف نثر جميل ساحر مؤثر يجعلك تسافر في أعماق الكلمات، ويحملك في أمواج البحر علك تقتنص اللحظات الجميلة وتعود بالصيد الثمين، فلغة الدكتور شفيعي كدكني سمفونية موسيقية تهز الإنسان وتطربه وتنال إعجابه، وهذه القدرة العجيبة عند المؤلف تشاهد في لغته الخاصة في كل كتاباته، فهي أجمل من الشعر وقعاً وإيقاعاً وتأثيراً، وهذه اللغة الساحرة الرائعة التي تسحر العقول وتسبي القلوب بروعتها وشفافيتها وعمقها تذكرنا بلغة طه حسين في مؤلفاته الرائعة.

يعد شفيعي كدكني نابغة من نوابغ الأدب الفارسي، ونخلة سامقة لا يطاولها أحد في سمائه؛ فهو أستاذ لا مثيل له في اللغة الفارسية وآدابها، والعجيب أن الرجل على علمه الواسع وأدبه الجم وخلقه الرفيع وتواضعه الكبير وإنتاجه الغزير وفكره الثر وشهرته الواسعة لا يلقي اهتماماً كبيراً بمظهره؛ إذ إنه متواضع في كل شيء حتى في مسكنه وملبسه.

عرفت الأستاذ الدكتور شفيعي كدكني عن طريق كتبه قبل أن التقى به، إذ انه كان يعمل أستاذاً للأدب الفارسي في جامعة برينستون الأمريكية وكذلك في طوكيو، عندما كنت أقيم في طهران، ولا زلت أذكر اليوم الذي التقيته في كلية الآداب في جامعة طهران في 13/6/2001؛ إذ تجاذبنا أطراف الحديث عن كتابه "الشعر العربي المعاصر" ومن ثم استأذنته في ترجمة كتابه "الأدب الفارسي منذ عصر عبد الرحمن الجامي وحتى عصرنا" إلى العربية فأذن لي مشكوراًَ، ودونت هذه الملاحظة على الكتاب المذكور حتى لا أنساها، وكان هذا أول لقاء يجمع بيننا، ثم عرفته عن قرب وتتلمذت على يديه، فتعلمت من أخلاقه وتواضعه الكثير، قبل أن أنهل من معين علمه الذي لا ينضب، وكنت أستشيره في بعض القضايا العلمية فأجد لديه الجواب الشافي؛ إذ إن ما يميز هذا الأستاذ عن غيره أنني كنت أجد الجديد لديه دائماً، فقد بهرني بثقافته الواسعة وإطلاعه على الأدب العربي، إذ ربطته علاقات وثيقة بالأدباء العرب ومن أشهرهم أدونيس وعبد الوهاب البياتي، الذي ترجم له كما ذكرت سالفاً والذي رثاه شعراً عندما تناهى إلى مسامعه خبر وفاته عام 1999 وكان يقيم يومها في طوكيو، كما جمعته مع أدونيس والبياتي ونجيب محفوظ حوارات وجلسات نقدية وثقافية.

إن هذا الأستاذ الكبير على علمه الواسع وثقافته العالية لم يكن يتردد في السؤال أو المشورة في بعض القضايا؛ فقد سألني غير مرة عن وضع الشعر العربي المعاصر ومستجداته، وعن مقالة لمحمود درويش ترجمها إلى اللغة الفارسية وضمنها كتاب "الشعر العربي المعاصر" وعنوانها "أنقذونا من هذا الشعر"، وعن معنى "التينة الحمقاء" التي جاءت في قصيدة عبد الوهاب البياتي "الحديقة المهجورة" والتي ترجمها ضمن هذا الكتاب، وأشد ما لفت انتباهي في هذا الأستاذ الكبير تقديره للعلم وتشجيعه للطلاب على سبر الأعماق في البحث العلمي؛ إذ كان دائماً في محاضراته التي كنت أحرص على الإصغاء إليها، مع عشرات الطلاب الذين يأتون لمشاهدته والسلام عليه والاستمتاع بكلامه الساحر وكأنه يعزف مقطوعة موسيقية، يؤكد على مسألتين مهمتين في البحث العلمي وهما الاستقصاء الذي لا حد له، والتنظيم الذي لا حد له.

أما الموقف الثاني الذي لمسته من هذا الأستاذ الفاضل فهو عندما قدمت له كتاب "دليل السياحة والسفر إلى إيران" الذي ترجمته مع الزميل الدكتور محمد الزغول إلى اللغة العربية؛ إذ دخلت على الأستاذ وهو جالس في قسم اللغة الفارسية وآدابها في كلية الآداب في جامعة طهران، وكان يتحاور مع بعض الطلاب، فسلمت وقدمت له الكتاب قائلاً: تفضل يا أستاذنا هذا كتاب ترجمته إلى اللغة العربية، ولأشد ما كانت دهشتي، فما كادت كلماتي تنتهي حتى وقف من مكانه فجأة تعبيراً عن احترامه وتقديره فرحاً مسروراً، وقد بدت ملامح السرور على محياه وشكرني على ذلك.

تجذرت الثقافة العربية لدى أستاذنا الفاضل وترسخت حتى تسربت عباراتها إلى ثنايا كتبه وأبحاثه وأشعاره وحديثه أيضاً؛ فلا نكاد نجد كتاباً من كتبه يخلو من هذه السمة، بل إن بعض مجموعاته الشعرية قدم لها بعبارات عربية، كما اختار لبعض قصائده عناوين عربية، و تبدو هذه المسألة واضحة كذلك في العبارات التي يتداولها في محاوراته، ومنها على سبيل المثال استشهاده بالأمثلة العربية، وقد سمعته يستشهد بالمثل المعروف " أسمع جعجعة ولا أرى طحناً" في أحد المواقف.

إن أسلوب الدكتور شفيعي كدكني أسلوب جميل آخاذ يطرب الإنسان ويهزه من الأعماق، فلقد ملك هذا الأستاذ الكبير ناصية اللغة وملكة التعبير بها؛ إذ إنه صاحب كلام جميل وعبارات رشيقة وأسلوب ممتع وذوق رفيع يشد القارئ ويعجبه، ولذلك فإن كتب الدكتور شفيعي كدكني سرعان ما تنفد من السوق بعد طباعتها بمدة وجيزة، ولا ننسى أن شفيعي كدكني شاعر مرهف وقد أثرت شاعريته في لغته الجميلة، وهذا ما عز نظيره، فهو شاعر وناقد وأستاذ جامعي من الدرجة الأولى، وهذا ما لم يتوافر لدى غيره من الأساتذة الآخرين؛ ولذلك فإن اللغة التي يمتلكها ويقدمها للقراء لغة شاعرية تدخل الإعجاب واللذة والسرور على القلوب.

وفي نهاية هذا المقدمة نستعرض بعض آثار الدكتور شفيعي كدكني وهي كثيرة ومن أبرزها:

أولا: الكتب المؤلفة

1- صور خيال در شعر فارسى: الصور الأدبية في الشعر الفارسي.

2- موسيقى شعر: موسيقى الشعر.

3- أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد (تصحيح).

4- تاريخ نيشابور ، أبو عبد الله النيسابوري (تصحيح).

5- منطق الطير: فريد الدين العطار (تصحيح).

6- حالات وسخنان أبو سعيد أبو الخير: حالات وأحاديث أبو سعيد أبو الخير.

7- ادبيات فارسى ازعصر جامى تا وزرگار ما: الأدب الفارسي منذ عبد الرحمن الجامي وحتى عصرنا.

8- ادوار شعر فارسى ازمشروطيت تا سقوط سلطنت: مراحل الشعر الفارسي منذ الحركة الدستورية وحتى سقوط النظام الملكي.

9- مختار نامه: مجموعة رباعيات فريد الدين العطار.

10- شعر معاصر عرب: الشعر العربي المعاصر.

ثانياً: الكتب المترجمة

1- آفرينش وتاريخ: الخلق والتاريخ، مطهر بن طاهر المقدسي.

2- تصوف اسلامى ورابطه انسان با خدا: التصوف الإسلامي وعلاقة الإنسان مع الله، نيكلسون.

3- رسوم دار الخلافة، هلال بن محسن الصابي.

5- أبو مسلم خراساني ، محمد عبد الغني حسن.

ثالثاً: الدواوين الشعرية

1-آيينه براى صداها: مرآة للأصوات واحتوى على سبع مجموعات شعرية.

2- هزاره دوم آهوى كوهى: الألفية الثانية للغزلان البرية، واحتوى على خمس مجموعات شعرية.

نص الدراسة

إن للشعر العربي الحديث تشابهات مع الشعر الفارسي، ويعود هذا الأمر إلى المسائل المشتركة والأوضاع المتشابهة في الدول العربية مع الأوضاع الاجتماعية والثقافية لإيران، وهذه التشابهات تستحق البحث والدارسة، وفي هذه العجالة نسعى إلى دراسة هذه التشابهات من وجهة نظر نقدية، وقبل كل شيء يمكن تقسيم الشعر العربي المعاصر من حيث التطورات الأدبية لهذه اللغة إلى قسمين:

المرحلة الأولى

سعى الشعراء في هذه المرحلة إلى دراسة الأفكار الجديدة وتحليلها بالإضافة إلى الاهتمام بالحاجات الاجتماعية بشكل خاص وانعكاسها في أشعارهم، مع الحفاظ على التقليد القديم ومراعاة النظام الفني للشعر الكلاسيكي... إن هذه المرحلة تتشابه مع الأدب الفارسي في بداية الحركة الدستورية في إيران وحتى السنوات التي تقابل 1320هـ (أي 1941م)؛ إذ إن أشهر شعراء هذه المرحلة في الأدب العربي المعاصر وهم: أحمد شوقي ومحمود سامي البارودي وجميل صدقي الزهاوي يمكن مقايستهم مع شعراء مرحلة الحركة الدستورية والمرحلة التي تلتها مثل: أديب الممالك ومحمد تقي بهار وبروين اعتصامي ورشيد الياسمي.

ترافقت المرحلة الجديدة مع التطورات الاجتماعية السريعة والحركات الأدبية المعاصرة وإلى حدٍ ما مع اضطراب سوق النقد الأدبي واندثار التقاليد، وجاءت نتيجة للاطلاع المباشر للشعراء العرب على الأدب العالمي المعاصر، وهذه المرحلة تبدأ مع الأربعينات في إيران ومع الحرب العالمية الثانية في الدول العربية وما زالت مستمرة حتى الآن(2)، ونحن نرى كل يوم المنظر المضطرب لهذا التطور على صفحات المجلات الأدبية لكلتا اللغتين وفي الدواوين الشعرية للجيل الشاب من أبناء هاتين اللغتين.

إن الشعراء العرب المجددين – يعني الجيل الشاب منهم – يشبهون من كل جهة وضع الشعراء المحدثين في الأدب الفارسي؛ فعلى سبيل المثال يمكن الإشارة إلى صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب وأدونيس؛ إذ إنهم يذكروننا بالشعراء المجددين في الأدب الفارسي من مثل: هوشنك ابتهاج وسياوش كسرائي ومهدي أخوان ثالث وفروغ فرخزاد وأحمد شاملو، وبالشعراء المعاصرين الآخرين الذين لديهم آثار جديرة بالقراءة وأنشدوا أشعارا موفقة في القوالب الجديدة مع مراعاة إمكانات اللغة القديمة والأدب الفارسي الكلاسيكي الثري.

الخصائص الشعرية للمرحلة الأولى

إذا كان للإيرانيين في هذه المرحلة الحركة الدستورية وحرب الاستقلال، فإن للعرب أيضا – مع اختلاف الظروف الاجتماعية والبيئات الجغرافية المتنوعة – مثل هذه الجهود للتخلص من الحكم العثماني، وهاتان الحركتان الاجتماعيتان يمكن بحثهما من حيث الجذور المشتركة والمتشابهة أيضا، كما هو الحال في الإنتاج الأدبي المتشابه، بل إنه يمكن العثور على وجوه وشخصيات مشتركة في هاتين الحركتين الاجتماعيتين كان لها تأثير نحو التطور والثورة الاجتماعية، ومثل هذه الشخصيات – التي كان لها تأثير بارز في كلتا الحركتين الاجتماعيتين- جمال الدين الأفغاني الذي كان له تأثير كبير في التطورات الاجتماعية الإيرانية وتلميذه الميرزا رضا الكرماني؛ فنتيجة لتأثره الكبير بأقوال جمال الدين وقبوله أفكاره أقدم على قتل ناصر الدين شاه القاجاري ،الذي كانت مدة حكومته الخمسون عاما أوج الاستبداد في القرن التاسع عشر، ومع قتله فقد تهيأ أحد الدوافع الأصلية للثورة الدستورية.

وفي مصر استطاع الشيخ محمد عبده أن يهيئ إرهاصات حركة الاستقلال والتحرر للدول العربية تحت تأثير التربية الفكرية لجمال الدين الأفغاني؛ إذ بدأ " إعلان الدستور" والنظام الجديد من قبل عبد الحميد العثماني في 24/1/1908م غير أن يقظة الشعوب العربية بدأت في أزمنة مختلفة ومتباعدة؛ فقد كان لبنان على اتصال مع أوروبا منذ القرن السادس عشر بسبب موقعه الجغرافي الخاص؛ ولذا بدأت فيه هذه الروح قبل غيره من الدول العربية، في حين تعرفت مصر على الروح الجديدة للمدنية إثر حملة نابليون عام 1798 الذي شيّد فيها المدارس ونشر مجلتين باللغة الفرنسية، ومع تولي محمد علي باشا للحكم عام 1805 أرسل مجموعة من الطلاب في بعثات دراسية إلى أوروبا حتى يدرسوا في تخصصات مختلفة.(3)

إن عوامل النهضة التي يمكن الإشارة إليها بشكل عام هي عبارة عن: تأسيس المدارس الجديدة في كل من لبنان ومصر وسوريا، وكذلك تأسيس المدارس الجديدة من مثل مدرسة دار الفنون في إيران والتي كان لها التأثير نفسه، ومن ذلك أيضا تأسيس الصحف والمجلات السياسية والأدبية في الدول العربية كالهلال والمقتطف والأهرام، وفي إيران كذلك أسهمت مجموعة من الصحف والمجلات منذ عهد الحركة الدستورية والأمثلة الجيدة لها "روزنامه أدب" (جريدة الأدب) وصاحبها أديب الممالك (الفراهاني)، وفي مرحلة لاحقة "مجله دانشكده" (مجلة كلية الآداب في جامعة طهران) التي أسسها ملك الشعراء بهار.

كان ثمرة هاتين الحركتين الاجتماعيتين الكبيرتين ظهور شعراء متذمرين من عادات المدح وشعر المدائح، أرادوا للشعر أفقا نحو نفع الناس والبشرية، وهؤلاء الشعراء في نطاق الأدب العربي هم: أحمد شوقي ورشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وإيليا أبو ماضي وفي مرحلة تالية جبران خليل جبران وبعض الشعراء الآخرين، وفي إيران: أديب البيشاوري وملك الشعراء بهار وعارف القزويني، وبعد مدة قصيرة فرخي اليزدي وبروين اعتصامي ورشيد الياسمي، والخصوصية المشتركة في شعر هؤلاء الشعراء الوفاء للقوالب الشعرية الكلاسيكية، ومن الجدير بالذكر أن تاريخ آداب هاتين اللغتين يمكن مقايستها مع بعضه البعض بشكل كامل، خاصة من حيث القوالب الشعرية والقواعد العروضية والقافية والمحسنات البديعية وغيرها.

سعى شعراء مرحلة الحركة الدستورية وحتى سنة 1941 إلى تناول المسائل الاجتماعية المعاصرة، والعواطف التي تعبر عن حاجة شعب ذلك العهد في قالب شعر أبي القاسم العنصري ومنوجهري الدامغاني وفرخي السيستاني وناصر خسرو، وفي الأدب العربي كرر الشعراء الذين ذكرناهم هذا الجهد في قالب شعر البحتري وأبي تمام، والمتنبي؛ فعلى سبيل المثال يمكن الإشارة إلى قصائد أحمد شوقي من الشعر العربي المعاصر التي أنشدها معارضة لأساتذة الشعر العربي القديم:

أبو تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب

أحمد شوقي: الله أكبر كم في الفتح من عجب.

ابن زيدون: أضحى التنائي بديلا من تدانينا

أحمد شوقي: يا نائح الطلح أشباه عوادينا.(4)

وفي الشعر الفارسي المعاصر يمكن الإشارة إلى قصائد ملك الشعراء بهار التي أنشدها تقليدا لأساتذة الشعر القديم:

آشفت روز بر من از ين رنج جان ﮔزاى بخشاى بر من اى شب آرام ديرپاى(5)

الترجمة:

إن نهاري سبب لي الاضطراب جراء هذا الألم المبرح، فارحم حالي أيها الليل الهادىءالذي لا ينقضي0

التي أنشدها معارضة لقصيدة مسعود سعد سلمان اللاهوري ومطلعها:

نالم به دل ﭽو ناى من اندر حصار ناى

ﭙستى ﮔرفت همت من زين بلند جاى(6)

الترجمة:

لقد فترت همتي في هذا المكان العالي (السجن)؛ إذ إن شكواي التي تصدر من أعماق القلب تشبه إلى حد بعيد أنين مزماري في قلعة الناي.

أو قصيدة:

فغان ز جغد جنگ و مرغواى او

كه تا ابد بريده باد ناى او(7)

الترجمة: يا ويلنا من شؤم بوم الحرب ونعيقه الذي يجلب النحس؛ فليقطع الله حنجرته إلى الأبد.

التي أنشدت معارضة لقصيدة منوجهري الدامغاني ومطلعها:

فغان از ين غراب بين و واى او

كه در نوا فكندمان نواى او(8)

الترجمة: يا ويلنا من غراب البين هذا ومن نعيقه؛ إذ إن نعيقه سبب الألم والمعاناة.

وتشاهد في ديوان بهار والشعراء المماثلين له كثير من القصائد التي أنشدت تقليدا لأساتذة من الشعراء القدامى، التي تغلب عليها الصبغة الاجتماعية ومضامينها بعيدة عن المدح والوعظ والنصائح التقليدية والزهد والتصوف، والتي تناولها أغلب الشعراء السابقين، ومن هذا القبيل قصيدة صورتكر في فتح دهلي التي أنشدت معارضة لقصيدة فتح سومنات لفرخي والتي تتمتع بمضمون وطني وتاريخي.

سعت كلتا المجموعتين من الشعراء إلى الحديث عن حاجات الحياة الجديدة والمعاني المستحدثة مع رعاية الجزئيات الأسلوبية للشعر القديم؛ فقد كان هذا الوفاء للأسلوب القديم في كلتا اللغتين نتيجة لخصوصيتين سوف نتحدث عنهما، ومع التراجع التدريجي لهاتين الخصوصيتين يتجلى كل يوم ميل الشعراء إلى الأساليب الجديدة والبعيدة عن الأسلوب القديم أكثر وضوحا.

وفي المرحلة الأخرى (بعد الحرب العالمية الثانية) يتجه الشعراء العرب الشباب فجأة(9) من قالب شعر امرئ القيس وشعراء العصر العباسي إلى الأفكار الجديدة لـ : اليوت والوار وعزرا باوند(10) وينسون كل خصوصياتهم الماضية، وهذه المسألة تشاهد أيضا في آداب جيل شبابنا بشكل دقيق؛ إذ إن الشاعر الإيراني الشاب يدع في مدة زمنية أقل من نصف قرن، بل في مدة ربع قرن القالب الرصين لقصائد منوجهري وناصر خسرو ويقلد سن جون برس واليوت في الشكل والمضمون.

إن الأمر الذي جعل شعراء اللغتين أوفياء للقوالب القديمة في المرحلة الأولى؛ أي أدب الحركة الدستورية في إيران والمرحلة الأولى لاستقلال العرب في نطاق الحكومة العثمانية يعود إلى سببين هما:

الأول: العلاقة الاجتماعية والروحية الخاصة لشعراء ذلك الجيل مع أدبهم الكلاسيكي؛ أي أنه كما ترعرع أديب البيشاوري وأديب الممالك وبهار في إيران مع الشعر الفارسي التقليدي، فقد كبر أحمد شوقي والبارودي وحافظ إبراهيم والآخرون أيضا مع الشعر التقليدي لأبي تمام والبحتري والمتنبي.

الثاني: إن معرفة هذا الجيل من هاتين اللغتين بالآداب الأوروبية كان قليلا جدا وغالبا ما كان يتم عن طريق الترجمة، كما أن النماذج الأوروبية التي كانت محط اهتمام هذا الجيل كان أغلبها من مثل: هوكو والفرد دوموسه، واللغة الشعرية لهؤلاء (في الأصل والترجمة) كانت أكثر إحساسا وأنسا لدى الشعراء الإيرانيين والعرب، كما كان لقالبهم الشعري نظام ثابت محكم مبني على التقليد الشعري الأوروبي القديم، ومع اندثار هاتين الخصوصيتين تقريبا – كما سوف ترى – فإن شعراء الجيل الشاب من هاتين اللغتين يتركون نظام شعرهم القديم فجأة.

المضامين الشعرية لهذه المرحلة

إن الموضوع العام للمضامين الشعرية في هاتين اللغتين من حيث الجوانب التصويرية ونوع الصور الأدبية للشعراء – إذا تجاوزنا الاختلاف في الخصوصيات القومية والتربوية والجغرافية – واحدة وتطرح المسائل القومية والوطنية فيها جميعا، فكما يلاحظ البحث عن حرية أكثر في شعر ملك الشعراء بهار وقصائده، فإن هذا التأثير واضح في شعر أحمد شوقي والبارودي وحافظ إبراهيم والزهاوي والآخرين أيضا، وكذلك عملت مسائل التربية والتجديد في مقابل هبوب رياح المدنية الغربية من مثل: قضية حرية المرأة وتربية الفتيات والسعي الى اللحاق بركب المدنية الجديدة على تشكيل المضامين العامة لشعر هاتين اللغتين، ففي الشعر الفارسي تقول بروين اعتصامي:

دامن مادر نخست آموزگار كودك است

طفل دانشور كجا ﭙرورده نادان مادرى(11)

الترجمة: إن حضن الأم هو أول معلم للطفل؛ فمن أين للأم الجاهلة أن تربي طفلا متعلما ؟!

وهذا حافظ إبراهيم يقول:

من لي بتربية النساء فإنها

في الشرق علة ذلك الإخفاق

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعبا طيب الأعراق

الأم أستاذ الأساتذة الأُلى

شغلت مآثرهم مدى الآفاق .(12)

كان للدستور و " القانون الدستوري" مثل قانون الحركة الدستورية تأثير كبير في إيقاظ الحس القومي والوعي مقابل التطورات الغربية؛ إذ حثت الشعراء في هاتين اللغتين على تناول المسائل الحديثة في أشعارهم، وبشكل عام يمكن تحديد هذه المسائل بالأقسام التالية:

أولا: الدعوة إلى حياة جديدة قائمة على أساس العلم، فهذا الرصافي الشاعر العراقي يقول:

يا شباب الحي هبوا للبراز

فبكم يبسم ثغر الوطن

وأعدوا العلم لا السيف الجراز

إنه عدّة هذا الزمن(13)

ومثل هذه المقولة وردت في الشعر الفارسي وفي أشعار المرحلة الدستورية تحديدا؛ إذ أحاطت ببضعة دواوين كبيرة ومن ضمنها فرخي اليزدي الذي يقول:

تا نشود جهل ما به علم مبدّل

ﭙيش ملل بندگى ماست مسجل(14)

الترجمة: سوف نرزخ تحت أصفاد عبودية الأمم الأخرى، حتى نستبدل جهلنا علما.

إن إحدى الخصوصيات المشتركة في شعر هذه المرحلة هي الاهتمام بظواهر الحياة الجديدة من مثل: السيارة والطائرة والاختراعات الحديثة والشعراء يسعون إلى إبداع معاني جديدة مستلهمين هذه الظواهر، ومن الأمثلة على ذلك في الأدب الفارسي أشعار لرشيد الياسمي من ضمنها قطعة يخاطب فيها الطائرة قائلا: كيف ذهبت إلى أوج السماء وحصلت على هذه القوة، فتجيبه: لأنني وضعت الهوى تحت قدمي وتغلبت عليه فوصلت إلى هذه المرتبة، ويستخلص الشاعر من مقولة الطائرة أن على الإنسان أن يتغلب على هوى نفسه:

ز آن روز كه بر هوا شدم ﭽير

من يافتم اين هوا ﮔشايى

ﮔر تو به هوات غالب آيى

آيد فلكت ﭽو خاك در زير. (15)

الترجمة:

منذ ذلك اليوم

الذي تغلبت فيه على الهوى

وجدت هذه المنزلة

فإذا كبحت جماح هواك

ارتقيت إلى مدارج السماء وتجاوزت الأفلاك.

ثانياً- مهاجمة المفاسد الناشئة عن المدنية الجديدة؛ فقد كانت قضية مهاجمة مظاهر المدنية الجديدة مضموناً آخر من المضامين الشعرية العامة والمشتركة في هذه المرحلة من الشعر الفارسي والعربي؛ إذ نرى أن أغلب شعراء اللغتين يدينون المدنية الغربية، على الرغم من أنهم يدعون الناس إليها من جهة أخرى، فهذا رضا الشبيبي أحد الشعراء العراقيين يقول:

تظنون هذا العصر عصر هداية

وأجدر لو تدعوه عصر ضلالات

خـداع وكـذب واقتراف وقسوة

وظلم أهـذا العالـم المتـمدن(16)

وهذا المضمون يشاهد بكثرة في الشعر الفارسي أيضاً، وما زالت هذه الشكوى موجودة كذلك في شعر شعراء الجيل الجديد حتى عصرنا؛ إذ إن هذا القرن – الماضي – قرن الرهبة والاضطراب، القرن الذي تجاوز فيه الإنسان "مدار القمر" لكنه ما زال بعيداً عن "مدار المحبة" والعشق. (17)

ثالثاً – الخصوصية الأخرى المشتركة هي الاهتمام بحياة الطبقة الكادحة والفقيرة؛ فهذا أحمد فارس الشدياق يقول:

أفي الحق أن يشقى الفقير بعيشه

وذو المال في شر الغواية يسرف(18)

وهذا المضمون كان موجوداً في شعر شعراء مرحلة الحركة الدستورية وما تلاها وحتى السنوات القليلة التي خلت، والمثال الواضح والمتلألئ على ذلك نراه في ديوان فرخي اليزدي وبروين اعتصامي؛ إذ إن الدفاع عن العمل دعا هؤلاء الشعراء إلى نظم أشعار كثيرة برديف مثل: "رنجبر" و "كارﮔر": أي الكادح والعامل.(19)

وبشكل عام، فإن المضمون الشامل لشعر هذه المرحلة في الأدبين العربي والفارسي هو المجتمع الإنساني بكل المظاهر التي يمكن أن تشاهد فيه حديثاً؛ إذ مال خطاب الكثير من الشعراء من الفردية إلى المجتمع، ولم يعد خطاب الشعراء لمعشوق خيالي أو لأمير وشريف أو لوزير، بل إن من يخاطبونه الإنسان والأمة وبناء على هذا فإنهم يسعون إلى تحرير الأمة وتخليصها – بأسرع وقت ممكن – من الاعتقادات الدنيوية الفاسدة التي كبلت أيديها وأرجلها كالأصفاد والقيود لقرون عديدة، إن الشاعر- مثل الزعيم الاجتماعي – يعد من واجبه دعوة الناس عن طريق اللغة الشعرية إلى الأمام، وحث الأمة على أن تصنع مصيرها بيدها ويخرج من أذهانها فكرة القضاء والقدر، كما هو الحال في الشعر العربي، فعلى سبيل المثال يجب ذكر أبيات أبي القاسم الشابي التي يقول فيها:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بدّ أن يستجيب القدر

ولا بدّ لليـل أن ينجلـي

ولا بد للقيـد أن ينكسرّ(20)

ومثل هذه الأشعار كثيرة في الشعر الفارسي؛ إذ يمكن العثور على نماذج منها في أشعار أبي القاسم اللاهوتي وفرخي اليزدي أكثر من غيرهم من الشعراء؛ فهذا فرخي هكذا يقول:

دركف مردانگى شمشير مى بايد ﮔرفت

حق خود را از دهان شير مى بايد ﮔرفت(21)

الترجمة: إذا أردت أن تبقى مصون الجانب فلا يفارقنّ مقبض السيف راحة يدك، وعليك أن تنتزع حقك من بين أنياب الليث.

الخصائص الشعرية للمرحلة الثانية

تبدأ المرحلة الشعرية الثانية في هاتين اللغتين منذ السنوات الأولى للحرب العالمية الثانية تقريباً، وعلى الرغم من النماذج المحدودة من التجديد في القالب والشكل التي قبلها شعراء المرحلة الجديدة بشكل كامل، والتي يمكن العثور عليها في المرحلة السابقة، إلاّ أن شيوع هذه المسألة وشموليتها تبدأ في هذه المرحلة.

إن النماذج التي نملكها على كسر القوالب الشعرية قبل هذه السنوات مثل ظهور نيما يوشيج في الأدب الفارسي، وبعض جهود جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي في الشعر العربي هي حالات استثنائية ونوع من الجهود الفردية، والسبب في ذلك أن جميع الشعراء المعاصرين لهؤلاء كانوا من المؤيدين للقوالب الشعرية التقليدية، لكن الظهور الحقيقي لهذه الجهود بدأ في الحقيقة منذ السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية أو السنوات المقارنة لبدايتها؛ إذ واجهت كلتا الأمتين قضايا جديدة من الناحية الاجتماعية، ولم يعد هذا الجيل ذلك الجيل الذي كان وفياً لكل التقاليد الشعرية الكلاسيكية ومكرراً لكلام المرحلة السابقة؛ إنه الجيل الذي تعرض لرياح التغيير المباشرة للشعر والفكر العالمي وأراد أن ينسجم مع كل ما هو موجود في الآداب الغربية؛ في حين لم تعد ترى الأزمة الروحية لهذا الجيل وكذلك الحركة الدستورية ومظاهر الحرية والقضايا الشعرية لتلك المرحلة، بل إنه – هذا الجيل – يعرض الإحساس المتدفق لكل أناس قرنه، ولم يعد مهماً لديه الظروف التي يعيش فيها، فنهضة شعب الكنكو والجزائر أصبحت موضوعاً لأشعاره، كما هو الحال في شعر الجيل الإيراني اليوم(22)؛ فهذا حسن الهنرمندي المتأثر بقتل "لومومبا" في أفريقيا يقول:

من ﮔريه تو مى شنوم در خروش موج

من شيون تو مى شنوم در غريو باد

اى بى تو روى هرﭽه بليدان سياه باد(23).

الترجمة: أسمع بكاءك في هدير الموج

أسمع عويلك في صفير الرياح

فليكن وجه كل ما سواك كالحاً مسوداً.

وينشد الشاعر المصري الشاب: أحمد عبد المعطي حجازي في هذا الموضوع أيضاً قائلاً:

وكنت أمضي حينما بكى القمر

وأعولتْ أنثى الرياح

وانسدلت على عشاش الطير أغصان الشجر

وغصَّ باطنُ الترابِ بالنواح

......................

ووجه لومومبا على مرمى البصر.(24)

بناء على هذا فإن الموضوعات الشعرية للجيل الشاب في كلتا اللغتين هي الموضوعات العالمية السائدة، واعتماداً على الخصوصيات الاجتماعية وحاجات القرن(25) نرى أن الشعراء الآخرين من هذا الجيل يعتقدون بأنهم لا يستطيعون بيان ما يحسون به في هذا العصر في موازين الأدب القديم، الذي يرونه قالباً محدوداً للبكاء على الأطلال والدمن أو مدح أمير أو شريف أو – على الأكثر – بيان حالات العشق النمطية، واتساع هذه الحاجات يدعو هذا الجيل إلى البحث عن قوالب شعرية جديدة نجد نماذجها في الأدب المعاصر لكلتا اللغتين ويمكن مقايستها من حيث القالب في كلا الأدبين.

إن في شعر الجيل المعاصر من الشعراء العرب، كما هو الحال كذلك في شعر الجيل المعاصر من الشعراء الإيرانيين جهوداً أثمرت من أجل التخلص من الموسيقى المحدودة للقوالب الشعرية القديمة؛ إذ يسعى كل من الشعراء الإيرانيين الشباب والعرب كذلك إلى إيجاد موسيقى تتسع لأشعارهم عن طريق التوسع في البحور العروضية القديمة.

إنّ ما قدمه نيما يوشيج في الأدب الفارسي وهو ما يشكل الآن القالب الأصلي لشعر الجيل الشاب هو نفسه المستعمل في أدب الجيل الشاب من الشعراء العرب دون أي اختلاف، ولذلك فإن نتيجة هذا التجديد في الشكل جديرة بالدراسة، كما يجب أيضاً تناول سبب ميل الشعراء إلى القوالب الشعرية الجديرة بالبحث والتحليل من وجهة نظر نقدية بعيداً عن أي نوع من التعصب.

إن القوالب الشعرية القديمة في الأدب الفارسي تساوي القوالب الشعرية القديمة للشعر العربي تقريباً، مع بعض الاختلافات من مثل: بعض الاختيارات العروضية والحريات التي يقول بها الشعراء العرب منذ القديم؛ في حين أن الشعراء الإيرانيين عدّوها مخلة بالموسيقى الشعرية ،(26) ولا بدّ من أن نذكر هذه الملاحظة وهي أن الأدباء العرب كانوا يعتقدون بأهمية تقليدهم الماضي، وهو أن الشاعر عندما ينظم قصيدته يجب أن يبدأ من أسلوب شعراء العصر الجاهلي؛ حتى أنهم عدوا البكاء على الأطلال والدمن من شروط القصيدة ،(27) وقد ذكروا هذا الموضوع في أكثر كتب الأدب العربي وكذلك في الكتب الأدبية الفارسية، وهو إذا أردت أن تنشد شعراً فعليك أن تأخذ بعين الاعتبار القافية أولاً؛ فهذا ابن رشيق القيرواني صاحب الكتاب المعروف: "العمدة" يقول: "والصواب أن لا يصنع الشاعر بيتاً لا يعرف قافيته" .(28)

وصاحب "عيار الشعر" يقول: "فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخّض المعنى الذي يرد بناء الشعر عليه في فكره نثراً، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير نسق للشعر وترتيب لفنون القول فيه..."(29) وهو نفسه ما ذكره صاحب كتاب "المعجم" في كتابه.(30)

إن اعتقاد شعراء الجيل الشاب في كلتا اللغتين والذين ذكروا هذه الملاحظات حول قالب الشعر القديم في مقالاتهم(31)، والتصور الذي كان في أذهان الأدباء والنقاد والشعراء الإيرانيين والعرب حول القصيدة ومفهومها أدى إلى أن يبقى الشعراء دائماً في دائرة مضامين معينة تحكمها موسيقى عروضية مكررة، ومع التطورات الاجتماعية وظهور حاجات روحية جديدة تتطلب ميدان الحرية للفكر والخيال، اعتقد الشعراء أن قالب القصيدة والقوالب القديمة للشعر الفارسي والعربي بشكل عام ليست مجالات لبيان كل العواطف والأفكار، وبناء على هذا سعوا إلى إيجاد قوالب جديدة مع الحفاظ على الموسيقى الشعرية.

كانت هذه القوالب في كلتا اللغتين بداية ليست بعيدة كثيراً عن حدود القوالب القديمة، وربما كانت نوعاً من التفنن، وإن كانت تعطي الشاعر حرية أكثر من شعر "شباهنگ" "الشِّعرى" لملك الشعراء بهار، وبعض المقطعات من إيرج ميرزا ورشيد الياسمي وصورتكر وبروين اعتصامي، والأنموذج الأول لها الشعر المعروف لعلي أكبر دهخدا ومطلعها:

اى مرغ سحر ﭽو اين شب تار

بگذاشت ز سر سياهكارى

و ز نفحه روح بخش اسحار

رفت از سر خفتگان خمارى

بگشود گره ز زلف زر تار

محبوبة نيلگون عمارى

يزدان به كمال شد ﭙديدار

واهريمن زشت خو حصارى

ياد آر ز شمع مرده ياد آر!(32)

الترجمة:

يا طائر السحر

عندما وضعت هذه الليلة المظلمة

خمارها الأسود عن رأسها

وعندما زالت حالة الثمالة

والنعاس من رؤوس النائمين

جراء نفحات السحر العليلة

وحل نور الصباح

عقد ظفائر محبوبة السماء الزرقاء (الشمس)

وظهر إله النور والخير على أكمل صوره

واندحر إله الظلام الشرير

فتذكر الشمعة المنطفئة!

وقصيدة "الطلاسم" المشهورة لإيليا أبو ماضي التي تتمتع بالتجديد هي أفضل مثال وأكثر شهرة في الشعر العربي وهذا مطلعها :

جئت، لا أعلم من أين ولكنّي أتيتُ

ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت

وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيتُ

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي

لست أدري!(33)

لقد راعى الشاعر في هذا الشعر – على الرغم من كل التنوع في الشكل والحرية التي امتلكها – حدود العروض القديمة ولم يترك الاعتدال والوسطية جانباً، أما بعد هذه المرحلة فقد وصل التجديد عن طريق شعراء الجيل الشاب إلى الحد الذي عمل فيه الشعراء الشباب في كلتا اللغتين على توسيع مفهوم الوزن العروضي الذي أشرنا إليه سابقاً.

ربما كان هذا التوسع في الأوزان العروضية عند العرب تجربة ذهنية سابقة، وهي وجود الموشحات والزجل الأندلسي التي أعطت الشاعر حرية كبيرة في القافية وتقصير المصاريع الشعرية وإطالتها (34) ، وفي الأدب الفارسي كانت هنالك تجارب سابقة في كلا الاتجاهين – تقصير المصاريع وإطالتها – فقد عمل بعض الشعراء على إطالة المصاريع أكثر من الحد المتعارف عليه (يعني أكثر من أربع تفعيلات) في بحر الطويل الذي دخل إلى الأدب الفارسي منذ القرن العاشر للميلاد(35) ولدينا نماذج عليه، وأما من حيث تقصير المصاريع فلدينا نماذج أخرى من المستزاد(36) منذ القرن الرابع والخامس في رباعيات أبو سعيد أبو الخير (المنسوبة إليه) وفي ديوان مسعود سعد سلمان في الأدب الفارسي(37).

بناء على هذا، فإن كسر القوالب العروضية في شعر كلتا اللغتين تجارب معروفة وفي رأي شعراء الجيل الشاب من الإيرانيين والعرب أن حاجة العصر وضرورته هي التي دعت الشعراء إلى التوسع في هذه القوالب، ولا حاجة للتوضيح هنا بأن الشاعر في هذه القوالب يختار أحد البحور القديمة (بحر الرمل أو الهزج مثلاً) ومع مراعاة كل التفاصيل العروضية والزحافات والعلل يبدأ بنظم الشعر ولكنه يكون حراً في انتخاب عدد التفعيلات أثناء النظم بهذه الطريقة:

فاعلاتن فع

فاعلاتن فاعلاتن فع

فاعلاتن فاعلات فاعلاتن فع

فاعلاتن فع

أي أن الشاعر يعمل على إطالة المصاريع من أكثر التفاعيل العروضية قصراً ( فع مزاحف فاعلاتن) إلى أكثر التفاعيل توسعاً من حيث الشكل التركيبي لبحر الرمل؛ وفقاً لميزان حاجته في لحظة الإنشاد (مثلاً فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ... فاعلاتن ... فع) وهذا الشكل – الذي وضحه شعراء الجيل الشاب في كلتا اللغتين – يتغير دائماً طبقاً لحاجة الشاعر وإحساسه، لكنه لا يتجاوز الموج الأصلي والبحر العروضي للرمل المزاحف أبداً.

على سبيل المثال نذكر نموذجاً من الأشعار العروضية الجديدة في اللغة الفارسية ونوازنه بما يشابهه في العروض العربي الجديد؛ فهذا الشاعر مهدي أخوان ثالث ينشد في بحر الرمل المزاحف من العروض الجديد:

اين شكسته ﭽنگ بى قانون

رام ﭽنگ ﭽنگى شوريده زنگ ﭙير

گاه گويى خواب من بيند

خويش را در بارگاه ﭙرفروغ مهر

طرفه جشم انداز شاد شاهد زردشت

با ﭙريزادى ﭽمان سرمست

در ﭽمنزاران سبز و روشن مهتاب مى بيند. (38)

الترجمة:

هذه الآلة الموسيقية (الصناجة)

التي انكسر لحنها ولا وزن لها

وعازفها مضطرب وباهت اللون

يرى في المنام أحياناً أنه:

في بلاط الشمس المضيء

ويرى نفسه أحياناً

في منظر بديع في حضرة زرادشت

يزهو ثملاً مع حسناء كالحور

ويرى كل هذه الأشياء

في حقول خضراء

يغمرها نور القمر.

حيث تقطع كل المصاريع إلى (فاعلاتن ... فع)(39) ونقرأ في الشعر العربي من أشعار بدر شاكر السياب ما يلي:

يمدون أعناقهم من ألوف القبور يصيحون بي: أن تعال!

نداء يشق العروق، يهز المشاش، يبعثر قلبي رماداً

"أصيل هنا مشعل في الظلال

تعال اشتعل فيه حتى الزوال"(40).

جاءت هذه الأشعار في زحافات البحر المتقارب (فعولن ... فعول...) ونرى أن كلاً من الشاعرين راعى الأركان العروضية والتفاصيل الفنية بشكل دقيق، ولم يخرجا عن البحر الأصلي على الرغم من وسعة القالب الشعري.

إن الامتياز الذي يتمتع به العروض الجديد والخصوصية التي يمنحها للشعر الفارسي والعربي – في رأي الشعراء الشباب من كلتا اللغتين – هي الحرية التي يعطيها في سبيل بيان أحاسيسهم، ونحن نرى أن الشاعر في القصائد القديمة ينتقل من موضوع إلى آخر، خاصة أن اضطراب المضامين في القصائد العربية وصل إلى الحد الذي كان فيه الشاعر يتحدث في بيتين أو ثلاثة وأحياناً في كل بيت عن دنيا خاصة، أما اليوم فتبرز وحدة الأفكار والتصوير لفكر الشاعر بوضوح في شعر الجيل الشاب من كلتا اللغتين، والأمثلة عليها تلك القصائد الجديدة للشعراء الإيرانيين المعاصرين خاصة مهدي أخوان ثالث التي تتمتع جميعها بالوحدة الرصينة، كما نطالع ذلك في "قصيدة طلوع" في كتاب "آخر الشاهنامة" وقصيدة "ﭽاوشي "(أي الحادي) في كتاب زمستان (الشتاء)(41) ولا يتسع المجال لذكرها هنا.

أما في الشعر العربي المعاصر فنجد قصيدة "الطلاسم" لإيليا أبو ماضي، وإذا كان الشاعر في هذه القصيدة حراً في انتخاب القوافي؛ إلا أنه خضع من الناحية العروضية للقوانين العروضية القديمة، ومن الجيل الجديد والمبدع في الشعر العربي القصائد الحديثة لصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب (42) وكلها جميعاً جديرة بالملاحظة، إذ إن الوحدة الذهنية للشعراء الشباب محسوسة بشكل كامل في القصائد الجديدة ونذكر – على سبيل المثال – واحدة من قصائد أبي العلاء المعري الذي يعرف في الشعر العربي بأنه شاعر الفكر – حتى يتضح للقارئ إلى أي حد كان هذا الرجل المفكر مضطرباً ومشتت الأفكار بسبب سيطرة القافية عليه، وهذه القصيدة هي:

علّلاني فإنّ بيض الأماني

فنيت والظلام ليس بفان

إن تناسيتما وداد أناسٍ

فاجعلاني من بعض مَنْ تذكران

ربّ ليلٍ كأنه الصبح في الحس

ن وإن كان أسود الطيلسان

قد ركضنا فيه إلى اللهو لما

وقف النجم وقفة الحيران

كم أردنا ذاك الزمان بمدحٍ

فشغلنا بذم هذا الزمان

فكأني ما قلت والبدر طفلٌ

وشباب الظلماء في عنفوان:

ليلتي هذه عروس من الزنـ

جِ عليها قلائد من جمان

هرب النوم عن جفوني فيها

هرب الأمن عن فؤاد الجبان

وكأن الهلال يهوى الثريا

فهما للوداع متعانقان

قال صحبي في لجتين من الخد

دمين والبيد إذ بدا الفرقدان:

نحن غرقى، فكيف ينقذنا نجـ

مان في حومة الدجى غرقان؟

يسهل كوجنة الحب في اللو

نِ وقلب المحب في الخفقان

مستبداً كأنه الفارس المعــ

لم يبدو معارض الفرسان

يُسرع اللمح في احمرارٍ كما تسـ ر

ع في اللمح مقلة الغضبان

ضرجته دماً سيوف الأعادي

فبكت رحمة له الشعريان

قدماه وراءه وهو في العَجْـ

ز كساعٍ ليست له قدمان

ثم شاب الدجى، وخاف من الهجـ

ر فغطى الشيب بالزعفران

ونضا فجره، على نسره الـ

واقع سيفاً فهم بالطيران

وبلادٍ وردتها، ذنب السِّر

حان بين المهاة والسرحان

وعيون الركاب ترمق

عيناً حولها محجرٌ بلا أجفان

وعلى الدهر من دماء الشهيديـ

ن عليِّ ونجله، شاهدان

فهما في أواخر الليل، فجرا

نِ وفي أولياته شفقان

ثُبِّتا في قميصه ليجيء الحشـ

ر مستعدياً إلى الرحمن

وجمال الأوان عقب جدود

كلّ جدّ منهم جمالُ أون

يا ابن مُسْتعرضِ الصفوف ببدرِ

ومبيد الجموع من غطفان(43)

إن أبا العلاء المعري يثني هنا على الممدوح دون أي مناسبة، ونشاهد أن الأفكار المبعثرة والأوصاف المختلفة أدرجت بجانب بعضها البعض بسبب وحدة قالب الشعر فقط، وليس هنالك حاجة للقارئ الفارسي لذكر بعض النماذج على قصائد أساتذة الشعر الفارسي القديم، إذ إن هذا الاضطراب في النظام الفكري يشاهد عند أغلبهم ولا يحتاج إلى التذكير به، في حين أن الوحدة الفكرية تراعى بشكل كامل في الشعر الحديث، وفي آثار الجيل الجديد سواء في اللغة الفارسية أو اللغة العربية، وبالطبع لا يجب الخلط بين الأقوال المضطربة للشباب الجاهل وعبث العابثين، والجهود الموفقة ورفيعة القدر التي أنجزها بعض الشباب من أصحاب التجارب وذوي القرائح من كلتا اللغتين.

إن الشعراء العرب الجيدين من الجيل الجديد إلى ذلك الحد الذي رأى فيه كاتب هذه السطور دواوينهم وعرفها هم: صلاح عبد الصبور (مصر)، وخليل حاوي (لبنان) وأدونيس (سوريا)، والكثير من الشعراء الذين لا يتسع المجال لنقد أشعارهم وتحليلها في هذه المقالة، وأشعارهم متشابهة من جهات مختلفة مع شعر الشعراء الشباب الجيدين في الأدب الفارسي والذين هم عبارة عن :أحمد شاملو وأخوان ثالث وفروغ فرخزاد وهوشنك ابتهاج وسياوش كسرائي وبضعة شعراء آخرين.

نتيجة البحث

إن النتيجة التي يمكن التوصل إليها من هذا البحث هي أن الماء الذي يكون في أواني مرتبطة مع بعضها البعض يستقر في سطح واحد،(الأواني المستطرقة) والتطورات الأدبية في شعر كلتا اللغتين ظاهرة طبيعية ونتيجة لحاجة المجتمع وإطلاعه على الشعر والأدب الغربي، فكلما انتشر شعاع هذه المعرفة أصبح ميدان هذه المستجدات أكثر اتساعاً، ولا يجب الخوف من الاضطراب في هذا الميدان – حيث يعد كل من لا ذوق له شاعراً وينشر عبثياته في الكتب والمجلات على أنها نوع من الشعر – بل يجب تحليل مناقب الأثر ومثالبه بدقة وتأمل وإرشاد الشعراء الشباب حتى يستطيعوا الاستفادة من قرائحهم بشكل أفضل ومن ثم تقديم نماذج شعرية أكثر تلؤلؤاً.

هوامش والتعليقات

(1) لمزيد من التفصيل أنظر كتاب:زندگى وشعر محمد رضا شفيعي كدكني، مجتبى بشر دوست ، الطبعة الأولى، يوشيج، طهران، 1379 هـ ش .(بالفارسية )

(2) لا بد من التأكيد هنا على أن هذا الكتاب طبع في عام 1980 ثم أعيد طباعته عام 2001 مرة أخرى، ولذلك لا بد أن نأخذ هذه القضية بعين الاعتبار عند مطالعة هذا الكتاب؛ إذ إن المؤلف لم يعد النظر في بعض المسائل التي ظهرت بعد الطبعة الأولى للكتاب. (المترجم).

(3) تاريخ الأدب العربي، حنّا الفاخوري، طبعة بيروت، ص884.

(4) أحمد شوقي في مجموعة شعراءنا، طبعة بيروت، 1965، ج4، ص38.

(5) ديوان بهار، الطبعة الأولى. ج1، ص339.

(6) ديوان مسعود سعد، طبعة رشيد ياسمي، ص503.

(7) ديوان بهار، ص740.

(8) ديوان منوجهرى، طبعة دبيرسياقي، ص72.

(9) أعتقد أن هذا الأمر لم يكن فجأة، بل كانت هنالك ارهاصات سبقت ظهور هذا الشعر (المترجم).

(10) انظر مقالة "ويژگى هالى شعر معاصر عرب" خصوصيات الشعر العربي المعاصر" ترجمة المؤلف مجلة سخن (الكلام) عدد 2، سنة 17.

(11) ديوان بروين اعتصامي، الطبعة الخامسة، ص261.

(12) حافظ إبراهيم، في مجموعة شعراءنا، طبعة بيروت، 1965، رقم 5 وانظر ديوان حافظ إبراهيم، دار العودة، بيروت، دون تاريخ، 1/282 (إحالة المترجم).

(13) أنيس المقدسي: الاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث، دار العلم للملايين، بيروت، 1963، ص206.

(14) ديوان فرخي يزدي، ص40.

(15) ديوان رشيد ياسمي، طبعة ابن سينا، ص34.

(16) الاتجاهات الأدبية، ص237.

(17) آخر شاهنامه، أخوان ثالث، ص42.

(18) الاتجاهات الأدبية، 216-217.

(19) ديوان بروين اعتصامي ،الطبعة الخامسة ،ص 83 ،وديوان فرخي اليزدي ،ص 49 .

(20) أبو القاسم الشابي، عبد اللطيف شراره، طبعة بيروت، 1965، ص57 والديوان، دار العودة، بيروت، 1972، ص406.(أحالة المترجم )

(21) ديوان فرخي يزدى، ص11.

(22) أي في السبعينات من القرن الماضي (المترجم).

(23) مجلة علم وزندگى (مجلة العلم والحياة) الدورة الجديدة، عدد 3.

(24) لم يبق إلاّ الاعتراف، أحمد عبد المعطي حجازي، بدون طبعة، ومكان، وتاريخ، ص 116-117.

(25) أي القرن الماضي.

(26) ومن هذا المنظور فإن عبيد الزاكاني الذي كان أديباً وشاعراً ومطلعاً على اللغة العربية يقول: "الناموزون غير الموزون: شعر عربي!" كليات عبيد، ص327.

(27) انظر مقدمة الشعر والشعراء، ابن قتيبة، تصحيح أحمد محمد شاكر، طبعة القاهرة، 1964.

(28) العمدة، ابن رشيق القيرواني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثالث، القاهرة، 1963، ج1، ص210( إحالة المترجم).

(29) عيار الشعر، ابن طباطبا، تحقيق طه الحاجري و د. محمد زغلول سلام، القاهرة، 1956، ص5.(احالة المترجم )

(30) يقصد كتاب المعجم في معايير أشعار العجم لشمس الدين قيس الرازي (المترجم).

(31) انظر مقالة "هماهنگى وتركيب" (الانسجام والتركيب) لمهدي أخوان ثالث من الشعراء الشباب في إيران (في ذلك الوقت) في مجلة هيرمند، العدد الثالث، ومقالة علي أحمد سعيد (أدونيس) من الشعراء العرب الشباب في مجلة الدراسات الأدبية بيروت، السنة الثالثة ومقالة "ويژگى هاى شعر امروز عرب" (خصائص الشعر العربي المعاصر) نزار قباني، ترجمة المؤلف، مجلة سخن عدد2، سنة 17.

(32) ديوان دهخدا، تحقيق د. محمد معين، ص2.

(33) الجداول، ديوان شعر إيليا أبو ماضي، الطبعة الحادية عشرة، دار العلم للملايين، بيروت، 1977، ص139.( احالة المترجم )

(34) انظر: فن التوشيح، د. مصطفى عوض الكريم، طبعة بيروت 1959، وفي الأدب الأندلسي، د. جودة الركابي، طبعة دمشق، ص1955.

(35) انظر مقالة "تحقيق در بحر طويل فارسى "(بحث في بحر الطويل الفارسي) مهدي أخوان ثالث، مجلة (فرهنگ) (الثقافة، سنة 1340، (1961).

(36) المستزاد: قالب شعري فارسي يعمل فيه الشاعر على إضافة مقطع شعري بعد كل بيت من الأبيات الشعرية (المترجم).

(37) انظر مقدمة شهريار على مجموعة سياه مشق (ديوان غزليات لهوشنك ابتهاج) ،طبعة طهران،1333.

(38) آخر شاهنامه، (أخوان ثالث) الطبعة الثانية، مرواريد، طهران.

(39) حول وزن الشعر الحديث انظر مقالات (أخوان ثالث) في مجلة "بيان نوين" الرسالة الجديدة، سنة 01340

(40) من منزل الأقنان، بدر شاكر السياب، طبعة بيروت، 1963، ص16، و(الديوان 1/236 احالة المترجم )

(41) انظر كتاب زمستان، طهران، 1335 وآخر شاهنامه، الطبعة الثانية، 1345 وازاين أوستا، طهران، 1345 وجميعها لاخوان ثالث.

(42) نشرت نماذج من شعر الشعراء العرب الشباب ترجمها المؤلف في مجلة سخن" (الكلام) عدد 2، الدورة السابعة عشرة وللاطلاع على بعض هذه النماذج ومقايستها يمكن الرجوع إليها.

(43)انظر شرح ديوان أبي العلاء، طبعة تبريز، و(أبو العلاء المعري سقط الزند، دار صادر، بيروت، 1963، ص ص 94-96، احالة المترجم ) .

إرسال تعليق