تأثير الثقافة الفارسية في آثار الشاعر العربي الكبير
عبد الوهاب البياتي
بحث منشور في كتاب المثاقفة العربية الفارسية:
قراءات في ثقافة اللغة الفارسية الصادر عن المجمع الثقافي المصري عام 2021
يتناول هذا البحث تأثير الثقافة الفارسية في آثار الشاعر العربي الكبير عبد الوهاب البياتي (1926- 1999م)؛ الشاعر الفيلسوف الذي عرفه العرب كبارهم وصغارهم على مدى خمسين عاماً؛ كان خلالها سخيّاً معطاءً يُقدّم الجديد والممتع للقارئ دائماً، فقد ملأت شاعرية البياتي الدنيا، وشغلت النقاد والأدباء والمثقفين العرب وغير العرب، خلال القرن العشرين وأوائل القرن الحالي؛ وشكَّلت ظاهرة شعرية فريدة في تاريخ الشعر العربي المعاصر، تستحق الدراسة والبحث والتحليل من جوانب مختلفة وزوايا متعددة، ولاقت اهتماماً منقطع النظير من قبل النقاد والباحثين في العالم العربي وخارجه، وقد تُرجمت آثاره إلى أكثر من عشرين لغة من بينها اللغة الفارسية، وهذه الظاهرة جديرة بأن تُسمَّى "الظاهرة البياتيّة" أسوة بـ "الظاهرة الخياميّة"؛ فقد تأثر البياتي بالثقافة الفارسية، ولا سيَّما بالشاعر الفارسي المشهور عمر الخيام في أغلب آثاره الشعرية والنثرية أيضاً؛ بدءاً من صدور ديوانه الأول "ملائكة وشياطين" عام 1950م، وحتى آخر دواوينه: "نصوص شعرية"، و"بكائية إلى حافظ الشيرازي"، و"تحولات عائشة"، و"ينابيع الشمس" الصادرة عام 1999م.
يهدف هذا البحث إلى دراسة تأثير الثقافة الفارسية وتجلياتها في آثار عبد الوهاب البياتي، وإبراز جانب أغفله الدارسون والباحثون العرب في شعر أحد عمالقة الشعر العربي المعاصر في القرن العشرين؛ ولعل السبب في ذلك يعود إلى عدم معرفتهم باللغة الفارسية وآدابها، ولذلك تمَّ تخصيص هذا البحث لدراسة هذه الظاهرة، التي قلَّ مثيلها في آثار الشعراء العرب المعاصرين؛ على أمل أن يكون باكورة لأبحاث ودراسات أخرى تتناول جوانب وأشكالاً أخرى من هذا التأثير، وتقف على مظاهر تأثر هذا الشاعر العربي الكبير بالثقافة الفارسية، والتراث الأدبي الفارسي، ولا سيَّما عمر الخيام الشاعر الفارسي الأكثر شهرة في العالم.
تمهيد
عبد الوهاب البياتي الشاعر الفيلسوف، عملاق من عمالقة الشعراء العرب المعاصرين، وأحد مؤسسي الشعر العربي الحديث، وهرم من أهرامه الذين تركوا بصماتهم على مسيرة هذا الشعر؛ ومن الشعراء المسكونين بالقلق والألم والمعاناة، وكثرة الترحال بحثاً عن السكينة والطمأنينة؛ فقد أمضى سنوات طويلة من عمره خارج وطنه العراق ولا سيَّما إسبانيا، حيث أقام في مدريد حوالي عشر سنوات (1980- 1989م)، وربطته علاقات وثيقة، وصداقات حميمة مع الأدباء والمثقفين الإسبانيين، ولقي شهرة جديرة به لدى الناطقين بالإسبانية، بعد أن ترجمت بعض دواوينه إلى هذه اللغة، ونشرت في مدريد كـ" أشعار في المنفى" عام 1968م، والموت في الحياة" 1980، ومسرحية "محاكمة في نيسابور"1981(1) كما أمضى البياتي حوالي سبع سنوات في موسكو؛ حيث عُيّن ملحقاً ثقافياً لمدة سنتين، وتعرف على أشهر الأدباء الروس، وربطته صداقة حميمة مع الأديب التركي ناظم حكمت خلال هذه السنوات، ثم شدَّ الرحال إلى العاصمة الأردنية عمَّان، وأقام فيها سنوات؛ وأسس "الفينيق" الصالون الأدبي الذي كان محط أنظار الأدباء والمثقفين الأردنيين، وقد قُيّض لصاحب هذا البحث أن يلتقي بالبياتي في إحدى الأمسيات الشعرية، التي أقيمت في هذا الصالون من عام 1996م، وأخيراً بلغ التطواف بالبياتي إلى مدينة دمشق حيث حط رحله الأخير، وأقام فيها إلى أن وفاه الأجل عام 1999م حيث دفن في سفح جبل قاسيون.
حظي عبدالوهاب البياتي بمنزلة رفيعة في تاريخ الشعر العربي المعاصر لم يحظ بها غيره من الشعراء العرب المعاصرين؛ فقد لفت أنظار النقاد والدارسين منذ صدور ديوانه الأول؛ وكُتبت عشرات الدراسات والكتب، وكثير من المقالات والأبحاث حول تجربته الشعرية وبلغات مختلفة، وبقي شامخاً مجدداً، ومعيناً لا ينضب خلال سنوات عمره، فكان يتحفنا دائماً بالجديد الممتع من أشعاره؛ إذْ منحه الله موهبة فذة ونادرة في تاريخ الشعر العربي المعاصر، الذي تخطَّى بفضل بعض الشعراء- ومنهم البياتي- الحدود الإقليمية والجغرافية الضيقة، واتجه نحو العالمية، فحقق انتشارات واسعة، وانعكاسات متنوعة في آفاق الكون الممتدة شرقاً وغرباً؛ ولاقى اهتماماً منقطع النظير من قبل المترجمين والمهتمين في شتى أركان المعمورة؛ ولعل ما يثير الاهتمام ويبعث على الفرح والسرور أنَّ آثار البياتي التي زادت على سبعة وعشرين كتاباً(2) تُرجمت إلى أكثر من عشرين لغة من بينها اللغة الفارسية؛ فقد عمل الدكتور محمد رضا شفيعي كدكني على ترجمة مجموعة من أشعاره تحت عنوان "آوازهاى سندباد"(أناشيد السندباد) وصدرت في طهران مع نهاية الستينات من القرن الماضي(3)، ثم كَتَبَ عنه وترجم له بعض الأشعار في كتابه المشهور" شعر معاصر عرب"(الشعر العربي المعاصر) الذي طبع في طهران عام 1980؛ ثم أعيدت طباعته مرة أخرى عام 2001م (4)، ومن الجديد بالذكر أن الدكتور شفيعي كدكني، الذي تعرف على عبد الوهاب البياتي عن قرب في أمريكا قد رثاه شعراً، حينما تناهى إليه خبر وفاته عام 1999م، حيث كان يقيم في طوكيو، ووسم مرثيته بـ:"چشم سگان مُرده: مرثیه برای دوستم عبدالوهاب البیاتي"(5) (عيون الكلاب الميتة: مرثية لصديقي عبد الوهاب البياتي).
كما أقدم عدنان غريفي على ترجمة ديواني البياتي "أشعار المنفی وعیون الکلاب المیتة" إلى اللغة الفارسية تحت عنوان:"شعرهاى تبعيد وچشمان سگان مرده" وطبعا فی طهران عام 1978(6)، ثم توالى الاهتمام بالبياتي ترجمةً ونقداً، ولاقى اهتماماً ورواجاً لدى الناطقين بالفارسية؛ وما زال محط عناية واهتمام في الجامعات الإيرانية حتى وقتنا الحاضر؛ حيث كتبت حوله عشرات الرسائل الجامعية في أقسام اللغة العربية وآدابها.
شاعرية البياتي وشهرته
ملأت شاعرية عبدالوهاب البياتي الدنيا، وشغلت النقاد والأدباء والمثقفين في العالم العربي وخارجه خلال القرن العشرين وأوائل القرن الحالي؛ فقد شكَّل ظاهرة شعرية فريدة تستحق الدراسة والبحث والتحليل، من جوانب مختلفة وزوايا متعددة، ولاقى اهتماماً منقطع النظير من النقاد والمهتمين، وهذه الظاهرة جديرة بأن تُسمَّى "الظاهرة البياتيّة" أسوة بـ "الظاهرة الخياميّة"؛ فقد أشعل البياتي حرائق الشعر في كثير من الساحات العربية والعالمية؛ بدءاً من صدور ديوانه الأول "ملائكة وشياطين" عام 1950م، وعبر نصف قرن من الزمان، وحتى آخر دواوينه الشعرية "نصوص شعرية"، و"بكائية إلى حافظ الشيرازي"، و"تحولات عائشة"، و"ينابيع الشمس" الصادرة عام 1999م(7)، ولعل الدكتور إحسان عباس كان أول من التفت إلى هذه الظاهرة، في وقت مبكر، مما دعاه إلى تأليف كتابه المشهور "عبدالوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث" عام 1955م.(8)
لقد كان البياتي عاشقاً للتطواف والسفر؛ فجاب الآفاق، وتنقل من بلد إلى آخر؛ باحثاً عن سرّ الوجود وحقيقة الكون، علَّه يعثر عليها، أو يلامسها ويقترب منها على الأقل، وهو في هذا يحذو حذو الخيام، والسندباد، وفريد الدين العطار، وسنائي الغزنوي، وجلال الدين الرومي، وشمس التبريزي؛ وهو يمتح من التراث الشرقي معبّراً عن المصير الجماعي للشعوب العربية بشكل خاص، ومن ثمَّ الإنسانية بشكل عام؛ فهو شاعر إنساني مشغول بمصير البشرية، وقد عبَّر عن ذلك في أشعاره مراراً وتكراراً؛ وهذا هو سرُّ شهرته المحلية والعالمية، وسرُّ خلود عمر الخيام أيضاً؛ الذي كان أبرز الشخصيات الفارسية التي تأثر بها البياتي بشكل واضح وجلي في أغلب آثاره.
لجأ البياتي في أعماله الشعرية إلى التكثيف والتركيز؛ فقد عمد إلى استنفار الكلمات واستدعائها من المخزون التراثي، ولا سيَّما الشرقي بأقل عدد ممكن من الكلمات ذات الدلالات العميقة، والمعبرة عما يجول في ذهنه، وما يريد إيصاله للقارئ؛ فقد كانت تجربة البياتي مفعمة بالرموز والأساطير، والينابيع الشعرية، والمرجعيات المعرفية، والأفاق الواسعة والثقافات المتعددة، وينابيع الحياة المتدفقة، والولادات المتنوعة، والإبداعات الخلاقة، والمعاناة الدائمة، والقلق المستمر، والحيرة القاتلة، وكانت ثروته الوحيدة التي شغلته طوال مسيرته الشعرية هي قلق الوجود كما صرح في قصيدة "الينابيع" قائلاً:
سأموتُ حباً تحت خيمتها
أعودُ إلى الطفولةِ
راعياً غنمَ القبيلةِ
مثل هارون الرشيدْ
ملكاً وسلطاناً
على أسراب مملكة القطا
وقبائل الأمطار في كل الفصولْ
ذهبي: ينابيعُ الحياةِ
وثروتي: قلقُ الوجودْ"(9)
فهو الشاعر المهاجر الذي كان مسافراً دائماً، لا يكاد يستقر في مدينة حتى يشد الرحال إلى مدينة أخرى؛ فقد كان شاعراً "يعيش بلا وطن" فهو الشاعر المثقل بالقلق، والمسكون بالحزن والألم والأرق، ومن ثمَّ فقد صدق عليه بيت الشاعر العربي الكبير المتنبي الذي لا مثيل له في الأدب العربي:
على قلقٍ كأنَّ الريحَ تحتي أُوجِّهها جنوباً وشمالاً
وها هو البياتي يزيد الأمر وضوحاً فيقول: "لقد شعرت بخيبات أمل كثيرة، وكنت أرى أنَّ البؤس الإنساني أو الليل في كل مكان، وإنْ اختلفت أقنعة هذا الليل، وكنت أحس أنَّ العالم يقع في ثنائية خطيرة.... لقد كنت في حوار داخلي، وكنت أبحثُ عن الحقيقة، وكما يقولون فقد كنت أبحث عن المنقذ من الضلال"(10)؛ حقيقة لقد أوغل البياتي إلى حدٍّ كبيرٍ في الإكثار من استخدام الرموز والأساطير، والمواقف والأبطال التي استدعاها من التاريخ القديم والحديث وخاصة الشرقي؛ وهذا دليل على معرفة البياتي العميقة بالتراث الإنساني.(11)
تأثير الثقافة الفارسية
إنَّ تأثير الثقافة الفارسية وحضورها في آثار عبدالوهاب البياتي بمظاهرها وتجلياتها وأعلامها وأدبها واضح جلي؛ لدرجة تجعلني أزعم بأنه لا يضاهيه شاعر عربي آخر في هذا المجال؛ ولا يكاد يوجد في تاريخ الشعر العربي المعاصر شاعر آخر مثل البياتي من حيث التأثر بالثقافة الفارسية، وتراثها، وأدبها، وشخصياتها، وأعلامها؛ حتى بات هذا التأثير عميقاً في شخصية البياتي وآثاره: الشعرية والنثرية، وحاضراً وملموساً في معظم دواوينه، وأغلب أشعاره، ومن المؤكد أنَّ هذا البحث ليس بمقدوره تناول هذا الجانب بشكل كامل، ولا يستطيع أن يفي هذا الموضوع حقه من جوانبه وزواياه كافة؛ آملاً أن يكون فاتحة خير لاستكمال هذه القضية في أشعار البياتي، وإضاءتها من جوانبها المتعددة في أبحاث ومقالات أخرى بمشيئة الله.
لا ريب أنَّ تأثير الثقافة الفارسية في آثار عبدالوهاب البياتي يشي بقضايا كثيرة؛ لعلَّ أبرزها اطلاعه على الأدب الفارسي والثقافة الفارسية، واستيعابه لهذا الأدب ولهذه الثقافة التي ينهل منها؛ فهي معين لا ينضب وكنز ثمين وصيد وافر، ولذلك فإنَّ الثقافة الفارسية تضيء لنا جوانب جديدة من شخصية البياتي ورموزه الشعرية، وإشاراته المختلفة، وإصراره على تكرار بعض الرموز في كل أشعاره، ومن ثمَّ فإنَّها تشكّل مفاتيح ونوافذ لفهم أشعاره وتحليلها، وبناءً على ذلك يمكننا القول وبكل اطمئنان بأنَّ الثقافة الفارسية قد شكَّلت إحدى مرجعيات البياتي وروافده الثقافية، التي برزت بشكل واضح وجلي في آثاره منذ بداياته الشعرية، وبدون شك فقد تبلورت هذه الينابيع والمرجعيات بدءاً من دواوين شاعرنا الأولى، ونمت وتطورت مع دواوينه اللاحقة، واستمرت عبر مسيرته الشعرية التي قاربت خمسين عاماً.
حقيقة لعلَّني لا أفشي سراً إذا قلت بأن السؤال الذي كان يلحُّ عليَّ ويراودني دائماً – مُذْ كان هذا البحث فكرة وحتى اختماره في ذهني- هو: هل كان عبدالوهاب البياتي يعرف اللغة الفارسية؟ وهل قرأ الأدب الفارسي، واطلع عليه في مضانه وبلغته الأم؟ إلاَّ أنني لم أتمكن من الوصول إلى إجابة قطعية، وإنْ كان أغلب الظن أن البياتي- الذي زار إيران غير مرة، وتجول في مدنها وكتب فيها شعراً- قد تعرف على الأدب الفارسي من خلال الترجمة، وليس اللغة الأم، وإذا كان الأمر كذلك فما هي طبيعة معرفته بالأدب الفارسي، والشعراء الفرس الذين أكثر من ذكرهم في آثاره؟ وهل تعمقت هذه المعرفة، أم أنها كانت سطحية، ولم تتجاوز معرفة الأسماء فقط؟ لا ريب أنه يمكن الحكم على هذا الموضوع، والإجابة على هذه الأسئلة من خلال ما جاء في أشعار البياتي ودواوينه الكثيرة، والثقافة الواسعة التي كان يتمتع بها؛ فقد شكَّلت الثقافة الفارسية ينبوعاً ورافداً من روافده الثقافية التي استقى منها، وأمدته بكثير من الإشارات والتلميحات والموضوعات، التي أضفت على أشعاره نكهةً محببةً إلى النفس، وبلورت فضاءات جميلة وآفاقاً واسعة؛ وقد سعى بعض النقاد العرب إلى محاولة اكتشافها ضمن معرفتهم بالتراث الشرقي ورموزه، وفي إطار اطلاعهم على الأدب الفارسي، والثقافة الفارسية المترجمة إلى اللغة العربية؛ إذْ إنَّهم لم يكونوا يعرفون اللغة الفارسية، ولذلك توجهوا نحو الترجمة وطرقوا أبوابها.
لعلَّ من الصعوبة بمكان أن يحيط باحث بعشرات؛ بل مئات الكتب والمقالات والدراسات، التي تناولت الشاعر العربي الكبير عبدالوهاب البياتي؛ إلا أنني رحت أفتش عن الأبحاث والدراسات التي تناولت تأثير الثقافة والأدب الفارسي في هذا الشاعر، فلم أعثر إلاَّ على بضعة أبحاث كتبها بعض الناطقين باللغة الفارسية؛ وقد جاء أولها معنوناً بـ" شخصيات إيرانية في ديوان عبد الوهاب البياتي" للدكتور أحمد نهيرات الأستاذ المساعد في جامعة كردستان(12)، كما جاء بحث آخر موسوماً بـ "الأثر الفارسي في شعر عبد الوهاب البياتي" للدكتور عيسى متقي زاده والباحث علي بشيري من جامعة "تربيت مدرس" في طهران(13)، وبعد الاطلاع على البحثين وجدت أنَّ أولهما اقتصر على موضوع الشخصيات الإيرانية واستعراضها في شعر البياتي، وعدم التعمق في تناول هذه الشخصيات، وتأثيرها في أشعاره بالشكل الذي يليق به....أما البحث الآخر فاقتصر على استعراض بعض مظاهر الأثر الفارسي في شعر البياتي، ولم يسبر أعماق تأثير الثقافة الفارسية في آثار البياتي وأشعاره، كما كُتبتْ بعض الدراسات والرسائل العلمية باللغة الفارسية حول شخصية البياتي وأشعاره، في أطار دراسات الأدب المقارن بين العربية والفارسية، وعملتْ على بحث أشعار البياتي ودراستها ومقارنتها بأشعار الشعراء الإيرانيين، ومنها رسالة الدكتوره المعنونة بـ: "عبد الوهاب البياتي وأحمد شاملو في مرآة الأدب المقارن" لعباس نجفي، التي نوقشت في جامعة الفردوسي عام 1389ه(2010م)(14)، ودراسة "شعر محمد رضا شفيعي كدكني وعبد الوهاب البياتي" وهي رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية الحرة بطهران(15)، ومنها كذلك البحث الموسوم بـ" سلطة اللیل؛ نظرة إلى شعرین من نیما یوشیج وعبدالوهاب البیاتي" للدكتور أبو الحسن أمين مقدسي، والدكتور شهريار كیتي، من جامعة طهران(16).
ولذلك عزمت الأمر على تناول هذه القضية ودراستها في بحث متخصص يعكس تأثير الثقافة الفارسية في روح البياتي وأشعاره، وتشكيلها لإحدى مرجعياته وروافده الثقافية، التي تجلت في أشعاره وأعماله كاملة، والملاحظة التي يجب الاهتمام بها، وأخذها بعين الاعتبار أثناء دراسة هذا الموضوع هي أن الثقافة الفارسية شكَّلت الجانب الآخر من شخصية عبدالوهاب البياتي منذ طفولته، من خلال اطلاعه- طبقاً لاعترافاته- على أمهات كتب الأدب الفارسي المترجمة إلى اللغة العربية في مكتبة جده، من مثل: شاهنامة الفردوسي، والمثنوي المعنوي لجلال الدين الرومي، وديوان حافظ الشيرازي، ورباعيات الخيام، وأشعار فريد الدين العطار، وعبد الرحمن الجامي، وغيرها؛ وهو ما سجله البياتي في اعترافاته في مرحلة لاحقة مراراً، وفي مواطن كثيرة ومنها قوله: "ومن الشعراء الذين قرأتهم باهتمام بالغ عبدالرحمن الجامي، وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، والخيام، وطاغور، لقد عانى هؤلاء محنة استبطان العالم، ومحاولة الكشف عن حقائقه الكلية من خلال تجربة التصوف الممتزجة بالرؤية الشعرية النافذة".(17)
عمر الخيام ومدينة نيسابور
لقد جاء حضور أشهر الشعراء الفرس والشخصيات الإيرانية كـ: عمر الخيام، وجلال الدين الرومي، وشمس التبريزي، وحافظ الشيرازي، وسعدي الشيرازي، وفريد الدين العطَّار، والسهروردي، والحلاج، والسندباد، وشهريار، وشهرزاد، وكسرى،( خسرو برويز) وزرادشت، وغيرها لافتاً ومميزاً في أشعار البياتي، ولا سيَّما عمر الخيام(439- 526ه) الذي اهتم به الشاعر اهتماماً عجيباً؛ كما يتضح من خلال التدقيق في بعض العناوين التي اختارها البياتي لدواوينه وأشعاره وقصائده مدى ارتباطها بالأفكار الخياميّة، وفلسفة الخيام بشكل خاص، والأدب الفارسي بشكل عام؛ فقد وسم ديوانه "الذي يأتي ولا يأتي" بعبارة: "سيرة ذاتية لحياة عمر الخيام الباطنية الذي عاش في كل العصور منتظراً الذي يأتي ولا يأتي"(18)، كما وصف ديوانه الآخر "الموت في الحياة" بأنه" الوجه الآخر لتأملات الخيام في الوجود والعدم"(19)، وهي الفلسفة التي اشتهر بها الخيام في رحلة بحثه عن سرّ الحياة والموت، وطرحه لأسئلة الكون والوجود، والفناء والزوال؛ ومن الواضح أنَّ البياتي قد اتخذ من شخصية عمر الخيام قناعاً له؛ فها هو يقول في إحدى قصائده مخاطباً الخيام:
في سنواتِ الموتِ والغربةِ والترحال
كَبُرْتَ يا خيَّام
وكَبُرَتْ من حولك الغابة والأشجار
شَعرك شاب والتجاعيد على وجهك والأحلام
ماتت على سور الليالي، مات "أورفيوس"
وماتَ في داخلك النهر الذي أرضع نيسابور
وحملَ الأعشابَ والزوارقَ الصغيرة
إلى البحار، حمل البذور
وعربات النور
إلى غد الطفولة
كَبُرْتَ يا خيَّام
وكَبُرَتْ من حولك القبيلة
عائشة ماتت، وها هي سفينة الموتى بلا شراع
تحطمت على صخور شاطئ الضياع".(20)
حقاً لقد شكَّل عمر الخيام ومسقط رأسه مدينة "نيسابور" مصدراً ثرياً، وينبوعاً غنياً للبياتي عمل على استثماره في أشعاره، حتى كان أبرز الشعراء الفرس الذين يشكّلون حضوراً مميزاً في معظم آثار البياتي الشعرية والنثرية؛ إن لم يكن جميعها، وقد تجلى هذا التأثير في مسرحية "محاكمة في نيسابور" التي نشرها البياتي في تونس عام 1973م "عندما تقمص شخصية الخيام واتخذ منه موحياً وملهماً، لا في دواوينه الشعرية فحسب؛ بل وفي مسرحيته النثرية أيضاً(21)، كما جاء هذا التأثير جلياً واضحاً في أغلب دواوين البياتي الشعرية؛ إذْ كان الخيام ومدينة "نيسابور" من الهواجس واللواعج التي شغلت شاعرنا دهراً طويلاً، وقضَّت مضجعه، ومن ثمَّ شكَّلت إحدى مرجعياته وينابيعه الثرَّة، ومن هنا انبثقت شخصية الخيام في أعمال البياتي وفلسفتها القائمة على اغتنام الفرصة، والحيرة في الكون والوجود، والحياة والموت، وآفاق تفكيره وتأملاته الوجودية، وتساؤلاته الكثيرة التي حيَّرت البشرية وما تزال؛ وهي التي وجد فيها البياتي الشاعر المثقل بالقلق، والمسكون بالحزن والهم والأرق ملاذاً ومتنفساً لشخصيته وأفكاره، ولذا عمد إلى اقتناص هذه الشخصية، واصطيادها بحنكة من الأدب الفارسي وتوظيفها واستحضارها في أشعاره؛ فهو مشغول بالخيام، ومسكون بأفكاره ومدينته ورباعياته؛ إذْ إنَّ هنالك علاقة روحية وطيدة، وخيطاً رفيعاً يربط بين الخيام والبياتي؛ وبعبارة أخرى يمكننا القول إنَّ "الخيام" أضحى قناعاً ومعادلاً موضوعياً للبياتي، كما أضحت مدينة "نيسابور" قناعاً ومعادلاً موضوعياً لمدينة بابل.
وإذا كان عمر الخيام الشخصية الأكثر حضوراً في آثار البياتي؛ فقد كانت مدينة نيسابور مسقط رأس الخيام المدينة الأكثر حضوراً في آثاره أيضاً؛ وهذا شيء طبيعي؛ إذ طغى إعجاب الشاعر وتقمصه لشخصية الخيام على هذه المدينة، التي خلَّدها البياتي ومن قبله الخيام في أشعارهما، فقد عنون البياتي لإحدى قصائده بـ:" الليل فوق نيسابور" حيث قال فيها:
كل الغزاة، من هنا، مرُّوا بنيسابور
العربات الفارغة
وسارقو الأطفال والقبور
وبائعو خواتم النحاس
وقارعو الأجراس
..............
كل الغزاة، من هنا مرُّوا بنيسابور
على ظهور الصافنات وعلى أجنحة الطيور
البشر الفانون
يحطمون بيضة النسر، ويُولدون
من زبد البحر ومن قرارة الأمواج
من وجع الأرض ومن تكَسُّر الزجاج
أقدامُ جرذان على السجاد
مرت، ونار ومضت من خلل الرماد
- لنقرأ الكتاب بالمقلوب
مُنقِّبين في حواشيه عن المكتوب والمحجوب
كان علينا أن نضيء النور
في ليل نيسابور".(22)
لقد حمل البياتي- كما حمل شيخه الخيام من قبل- حزن القرون المنصرمة والزاخرة بالوجع الإنساني المكبوت، وحاول التعبير عن الحيرة والقلق والبؤس، والحزن والهَّم المسكون في البشرية، علَّه يقترب من الألم والمعاناة التي تجرعتها على مرّ الزمان، فيعثر على بلسم يعالجها، أو يخفف من وطئتها وأوجاعها وآهاتها على الأقل؛ وهكذا كان شأن البياتي الذي لامس الحقيقة والحيرة التي طغت على الإنسانية جمعاء، فكانت تساؤلاته مشروعة عن الكون والوجود، والحياة والموت، والإنسان ومصيره المحتوم، وسرّ الخلق وكينونته، والإنسان التائه في جبروت الخلق والخالق قاهر البشرية بالموت والفناء، ومن الجدير بالذكر أيضاً أنَّ البياتي لم يكن خياميّاً فقط؛ بل إنّه كان حلاجيَّاً ومعرَّياً وخياميّاً، كما وصفه الناقد الفذ مدني صالح.(23)
وإذا كان بعض الشعراء قد خلَّدوا مدنهم، ونقشوا أسماءها في ذاكرة التاريخ، فبقيت خالدة خلود العظماء للأجيال اللاحقة، كما فعل الخيام بـ"نيسابور"، ونيما يوشيج مؤسسالشعر الفارسي الحديث بـ"يوش" وأبو العلاء بـ"المعرة" وبدر شاكر السياب بـ" جيكور"؛ بيد أن البياتي الذي عرف مدناً كثيرة في حياته- بدايةً من بغداد مروراً بدمشق، وموسكو، وبيروت، والقاهرة، والكويت، ومراكش، ومدريد، وأنقرة، وإسطنبول، ولندن، وباريس، وفيينا، ووارسو، وبراغ، وبرلين، ونيسابور، وطهران، وشيراز، وأصفهان، وعمان، وغيرها- لم يخلد "بغداد" مسقط رأسه وحدها؛ بل إنّه خلَّد مدناً كثيرة من أشهرها نيسابور، وشيراز، وأصفهان، وطهران، وموسكو، ومدريد، ودمشق، وعمان.
فلسفة الحياة والموت
لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنَّ في أشعار البياتي حالةً من استشراف الرؤى، واختلاج الأحاسيس والعواطف، ولواعج الحنين، وهواجس المستقبل المجهول، وتدفق الينابيع الثرة، وتفجر الطاقات والمرجعيات المعرفية، التي استقاها منذ صباه ومن مكتبة جدّه، عندما طالع دواوين كبار الشعراء المشهورين، وكان من بينها بعض آثار الشعراء الفرس المترجمة إلى اللغة العربية، كما سبقت الإشارة؛ وهذا ما بد واضحًا جلياً في بعض آثاره وأشعاره في مرحلة لاحقة.
لا بدَّ من التأكيد هنا أنَّ الغربة، والبعد، والنفي، والاستلاب الحضاري، والحيرة في الخلق والكون، والشك واليقين، وأصناف العذاب، والمآسي والمحن، ولواعج البياتي ومعاناته الدائمة كلها تعبير عن تجربة أبناء جيله ومعاناتهم، وهذه التجربة أسقطها البياتي على حياة "الخيام" وعصره؛ لتكون طريقاً ومنفذا،ً يمكن أن يفصح عمَّا يجول في ذهنه من خواطر وأفكار تتعلق بمصير البشرية، وفكرة الموت والحياة وجدليتها؛ وإذا كان البياتي قد اتخذ من شخصية "المتنبي" وعصره قناعاً للتعبير عن حقيقة السقوط العربي- في عصر المتنبي وعصر البياتي- التي لم تتغير في أساسها وهي فساد السلطة؛ فإنّه اتخذ من شخصية "الخيام" قناعاً للتعبير عن مصير البشرية وحيرتها في فلسفة الكون والوجود، والحياة والموت، وما بعد الموت؛ ولهذا فإننا نجد أنَّ البياتي يستخدم تقنية جديدة، فالخيام والمتنبي هما اللذان يتكلمان ويتحدثان من خلال البياتي وليس العكس.(24)
لقد غدت القضية عند عبد الوهاب البياتي قضية حياة أو موت؛ إذ "تتميز تجربة البياتي عن بقية جيل الرواد بخصوصية فهمها ومعالجتها لفكرة الموت، وبكونها نجت إلى حدّ بعيد من مفهوم الموت العضوي، الذي هو نهاية لطريق المرض والألم، بل ونهاية للحياة نفسها، وكذلك نجت من التعبير الرومانسي عن فكرة الموت، الذي ساد في الشعر العربي خلال فترة ما بعد الحربين العالميتين، وانشغلت تجربة البياتي بالتأمل في وجه الموت نفسه، في أنْسَنته وفي تعقب بوصلته لرسم خارطة الحياة، ومنذ قصيدته "الموت" في ديوان "الذي يأتي والذي لا يأتي" بدا أنَّه مفترق تماماً في فهمه لفكرة الموت عن سائر جيل الرواد، وبقية الشعراء العرب، وصار موت الأشياء من حوله ذا معنى أعمق وأبعد من معنى النهاية، وقدَّم بذلك مفهوماً فلسفياً للموت، أبعده عن سطحية الفرضية...."(25)
وعند العودة إلى أقوال البياتي وتصريحاته المنتشرة في ثنايا الكتب؛ وخاصة المنشورة في كتابه النثري" تجربتي الشعرية" نجد بعض الإضاءات والإشارات التي توضح فكرته ونظريته حول الموت؛ فها هو يقول: "إنَّ الإنسان يموت من الحياة، وأعتقد أنَّها صحيحة، أي أنَّه لا يموت من الموت؛ فأنا عمري الآن مثلاً(ستة وستون عاماً) وهو عمر موتي ولكن عمري- أعني عمر موتي- قد أنقذته أشعاري التي كتبتها؛ فقد حلَّت بها الحياة، وهكذا اكتشفت أنني إذا كنت أموت من الحياة، فإنَّ الشعر يصبح المعادل الموضوعي بين الموت والحياة".(26)
ويستطرد البياتي في اعترافاته التي تعدُّ شهادات يمكن الوثوق بها، والاستناد عليها في تشريح وجهة نظره فيقول موضحاً هذه القضية: "ومن المؤكد فإنَّ أية تجربة إنسانية متكاملة لا بدَّ أنْ تنبجس من رموز مترعة بالضوء، وهكذا فإنَّ كل الرموز في تاريخنا العربي والتاريخ الإنساني كانت تدخل ذاكرتي وتستعاد صورها، ويضاف إليها ما أهمله المؤرخ أو عامل الزمن أو ضياع التفصيلات أو ضياع مخطوطاتها، هكذا كنت أعيد أو أحاول أن أعيد الصورة الإنسانية الكاملة وأتلمس جوهرها المتألق، أعني صور تلك الشخصيات في أوج تألقها وعنفوانها وعطائها، وكانت هذه الرموز تضيء ذاكرتي في زمن احتياج الذاكرة إليها؛ فقد كنت أستنجد بها عندما تضيق بي الدنيا، وتظلم الآفاق في عيني، أو تختفي رؤياي وراء الغيوم، كما أن نظرتي الشمولية للأشياء قد أوجدت قواسم مشتركة بين كثير من هذه الرموز والشخصيات، وقد استفدت منها في فكّ مغاليق بعض الأسرار التي استعصت عليَّ؛ لأطلقها أنا من بوتقتي بشكلها المشترك بيني وبينهم، وقد يكون الإطلاق الخاص بي إحالة رمزية جديدة"(27)، ولذلك فقد غدت القضية عند البياتي قضية حياة أو موت فصدق عليه بيت المتنبي:
لا يعرف الشوق إلاَّ مَنْ يُكابده ولا الصبابةَ إلاَّ من يُعانيها
وبالعودة إلى المقطع الأول من قصيدة "شهوة الحياة" على سبيل المثال نجد البياتي يقول:
متُّ من الحياة
لكنني
ما زلتُ طفلاً جائعاً
يبكي
دودةً تقرضُ تفاحةً
كان هو الموت(28).
وهكذا يتضح مفهوم البياتي الدقيق للموت والقلق الدائم منه؛ "فالإنسان لا يموت من الموت بل يموت من الحياة....إنَّ حضور الأمكنة المتصل بالحضور المكثف للحياة، والتي تطل في الوقت نفسه على المشهد الوجودي العام للبشر ومشاغلهم، التي يتسرب منها الموت تعدُّ أُنموذجاً للبياتي للكشف عن هذا التدخل، ومن هنا يحضر "المقهى" وكذلك "الحانة" بكثافة صريحة في شعره، كثافة تجمع بين اليومي بتدفقه الأسطوري بخفاياه"(29)، والمدقق في هذه الأشعار يجد أنها لوحة فنية رائعة يسقطها الشاعر على مشاعره وأحاسيسه؛ فهو يلجأ إلى إسقاط بعض الحالات على نفسه والظروف التي يعيشها فيها؛ إذْ إنَّ حالة الضعف العاطفي، والعصف الذهني تسيطر عليه؛ فيلجأ إلى الاستفادة من الرموز والأساطير والأقنعة المختلفة، ومن المؤكد أن قصيدة البياتي فريدة ومتميزة في كونها قصيدة قائمة على الايجاز والتكثيف؛ ولذلك فإنَّ قارئها يحتاج إلى تركيز كبير، حتى يمسك بمفاتيحها ويحلَّ مغاليقها المستعصية.
رباعيات البياتي
إنَّ الملاحظة الجديرة بالاهتمام ضمن حديثنا عن تأثير الثقافة الفارسية في آثار البياتي هي أن روح الخيام وفلسفته قد بدت واضحة لدى شاعرنا بشكل صريح وجلي، حتى في تقليده ومحاولة إنشاده لبعض أشعاره في قالب الرباعي؛ فمنذ وقت مبكر نجد في أشعاره ثلاث رباعيات كما عنون لها هو نفسه، وقد أنشدها عام 1960م؛ بل إنَّ بعض هذه الرباعيات يكاد يكون صدى واستمراراً لرباعيات الخيام؛ ومحاولة السير على خطى الخيام في النظم والإنشاد في هذا القالب، وتبنيه فلسفة هذا الشاعر، القائمة على القلق من الكون والوجود، والخوف من الموت الذي يمكن أن يدق الأبواب في أي لحظه، فهو كالصياد الذي يمكن أن ينقضَّ على فريسته في أي فرصة؛ ولندقق في الرباعية التالية:
رأيتُ في المنامِ
محبوبتي، عاريةً، ترقصُ في كأسٍ من المدام
أردتُ أن أشربه، لكنني غرقتُ في الكأسِ وفي الظلام
لأنني كنتُ مغني صاحبَ الجلالة السلطان.(30)
وفي موطن آخر من ديوانه نجده يذكر تسع رباعيات أخرى؛ حيث يقول في بعضها:
لا بدَّ أنْ نختار
أن نقبضَ الريحَ وأن نُدَوَّرَ الأصفار
أنْ نجدَ المعنى وراءَ عبث الحياة
فالعيشُ في هذا المدار المغلق انتحار.
*******
نعودُ، مَنْ يدري، ولا نعود
لأمّنا الأرض التي تحمل في أحشائها جنين هذا الأمل المنشود
وعمق هذا الحزن والوعود
تحومُ حول نارنا فراشةُ الوجود.
**********
الميتُ الحيُّ بلا زاد ولا معاد
ينفخُ في الرماد
لعلَّ نيسابور
تخلعُ كالحية ثوبَ حزنها وتكسرُ الأصفاد.(31)
وواضح من هذه الرباعيات أن عبد الوهاب البياتي كان على علم ببنية فن الرباعي في الأدب الفارسي؛ إذْ إنَّ هذا القالب الشعري يتكون من بيتين؛ أي أربعة مصاريع شعرية؛ بحيث تكون القافية في المصراع الأول والثاني والرابع واحدة، أما المصراع الثالث فالقافية فيه اختيارية؛ وهو ما بدا واضحاً في بعض الرباعيات التي أوردها البياتي في دواوينه؛ وإذا ما أردنا أن نذكر بعض رباعيات الخيام التي بدا تأثر البياتي بها واضحاً، فنكتفي بهاتين الرباعيتين:
در دايره اى كه آمدن ورفتن ماست او را نه بدايت نه نهايت پیداست
کس می نزند دمى درين معنی راست کاین آمدن از کجا ورفتن به کجاست
******************
درياب كه از روح جدا خواهی رفت در پردۀ اسرار فنا خواهی رفت
مى نوش ندانی از کجا آمده ای خوش باش ندانی به کجا خواهی رفت(32)
وترجمتهما على التوالي والترجمة لصاحب البحث:
إنَّ مجيئنا إلى هذه الدنيا ورحيلنا عنها كالدائرة
التي لا نعرف بدايتها من نهايتها
ولم يُحدّثنا شخص بصدق عن هذا:
فمن أين أتينا وإلى أين نحن سائرون.
*************
ادركْ أنَّكَ سوف تنفصلُ عن الروح
وسوف تفنى في ستارة الأسرار
اشربْ الخمرة فإنَّكَ لا تعرف من أين أتيت
ولتكنْ سعيداً فإنَّكَ لا تعرفُ إلى أين سوف تذهب.
شخصية عائشة ودلالاتها
لقد اختار البياتي اسم "عائشة" عامداً متعمداً وعن قصد مسبق، ونسبه للخيام بزعمه أنَّ عائشة كانت محبوبة الخيام، ولم يثبت تاريخياً أن عمر الخيام كانت له معشوقة بهذا الاسم، ومن ثمَّ عمل على تَقمُص شخصية الخيام- لوجود كثير من المشتركات والتشابهات مع حكيم "نيسابور" وسيدها، فالبياتي صياد ماهر يلجأ إلى اقتناص الرموز، وإسقاطها على حالات كثيرة، ومنها شخصية عائشة؛ فلماذا اختار البياتي هذا الاسم منذ بداياته الشعرية؟! على الرغم من الخلفية المذهبية للبياتي، وهو يدرك خصوصية هذا الاسم ودلالاته، وقد ظل هذا الاسم حاضراً في أشعاره عبر مسيرته الشعرية حتى وافه الأجل المحتوم؟
حقيقةً إنَّ المدقق في هذا الاسم يجد أنَّ البياتي كان بإمكانه أن يختار اسماً آخر؛ إلاَّ أنه لم يفعل، فما السرُّ في ذلك يا ترى؟! لقد أصر الشاعر على هذا الاسم منذ ديوانه الأول "ملائكة وشياطين" الصادر عام 1950م؛ ثم ظلت معالم هذه الشخصية تتكرر وتتضح شيئاً فشيئاً من خلال الدواوين الشعرية، التي صدرت في المراحل اللاحقة؛ إذ بقيت "عائشة" حاضرة تعانق الحياة في أشعار البياتي وعائشة لم تمت؛ فهي خالدة وعائشة ولها حضورها المميز، ولعلَّ هذا هو السرُّ الذي يكمن في هذا الاسم؛ إذْ أرادها البياتي أن تبقى خالدة مخلدة في أشعاره على مرّ الأزمان والأجيال؛ فعائشة هي الطفلة التي تعلَّق بها البياتي منذ طفولته، وقبل التحاقه بالمدرسة، كما صرح بذلك في كتابه "تحولات عائشة"، ومن ثمَّ أحبها وعشقها، وظل عشقها يطارده في كل مكان يرحل إليه(33)، كما قدَّم البياتي لاحقاً شهادات وإضاءات مفيدة حول شخصية عائشة، وأماط اللثام عنها في كثير من تصريحاته؛ فها هو يقول: "وبمرور الزمن تحولت عائشة إلى رمز أسطوري وواقعي وكوني وأبدي.... وهكذا فإنَّ عائشة في حالات تحولاتها نحو الأجمل والأفضل والأكمل قد اتحد رمزها الأرضي برمزها الإلهي، ومنحتني بركاتها، وأكلت خبز الحياة من يدها"(34)، وقد سجَّل هذا الاعتراف حول شخصية عائشة في موطن آخر وبعبارات أخرى فقال: "أما المرأة فهي رمز زمني وأبدي(عائشة) رمز زمني لأنها اسم امرأة من لحم ودم، ثم تطور هذا الرمز لهذه المرأة فأصبح أبدياً يمتد من عشتار سومر، إلى عشتروت الفينيقية التي تحول اسمها إلى عائشة فيما بعد"(35)؛ فعائشة هي رمز للمرأة التي أحبها البياتي، وقد رافقته في حله وترحاله ونومه ويقظته، وكل امرأة كان يصادفها في أي مكان كان يَعدَّها عائشة؛ فهو يقول: "أرى كل نساء العالم في واحدة تولد من شعري"، وهي شخصية عائشة الأنموذج الذي ينمو ويتطور دائماً في أشعاره وثنايا دواوينه.
"وابتداءً من (موت عائشة) كان هذا التناقض على مستوى المفردتين: الموت/عائشة يقود البياتي إلى تجذير مفهومه عن الموت خارج التلقين العام لهذه الفكرة، التي انتقلت من كونها معطى حياتياً إلى مبنى فلسفي مترسخ في مرجعيته الأساسية: الحياة، ومن هنا فإنَّ تسميته لأحد دواوينه بـ"الموت في الحياة" كان تجسيداً لهذه الفكرة؛ فالديوان يقدّم بانوراما شاملة للموت، تبدأ من عائشة، وتمرُّ بالمدن "غرناطة"، وكذلك الشعراء "لوركا" و"ديك الجن الحمصي" و"أبو نواس"، والشخصيات، والذاكرة الحية، و"الإسكندر المقدوني"، و"ألف ليلة وليلة"، ولا تنتهي عند "الحب" و"العنقاء" و"الموت" و"الثورة" لكن كل هؤلاء، وكل هذه الأشياء ليست ميتة ولا تموت؛ إنها ليست معادلاً قيمياً للموت؛ بل على العكس هي مرادفات صريحة للخلود".(36)
إلاَّ أنَّ البياتي قدَّم شهادة جامعة مانعة في مرحلة لاحقة حول شخصية "عائشة"، أراد من خلالها أن يحسم الموضوع، وينهي النقاش حول هذه الشخصية الجدلية في أشعاره، فكتب التعريف التالي في أحد الهوامش قائلاً:" عائشة صبية أحبها الخيام في صباه حباً عظيماً، ولكنها ماتت في الطاعون، ولم يتحدث عنها على الإطلاق في أشعاره، وقد كنت أودُّ أن أسميها في هذا الديوان "خزامى"، ولكني احتفظت باسمها الحقيقي أو المستعار- من يدري- دفعاً للالتباس، وعائشة هنا -أو خزامى- امرأة أسطورية: وهي رمز للحب الأزلي الواحد الذي ينبعث، فيضيء ما لا يتناهى من صور الوجود؛ وهي الذات الواحدة التي تظهر فيما لا يتناهى من التعينات في كل آن، وهي باقية على الدوام على ما هي عليه، ولتوضيح هذه الفكرة أكثر لا بدَّ من الرجوع إلى قصيدة جلال الدين الرومي،" المستزاد في ظهور الولاية المطلقة العلوية" في ديوانه شمس تبريزي"(طبعة تبريز 1280ه) حيث يقول:
يظهرُ الجمالُ الخاطفُ كل لحظة في صورة
فيحملُ القلبَ ويختفي
في كل نفس يظهرُ ذلك "الصديق" في ثوبٍ جديد
فشيخاً تراه تارةً وشاباً تارةً أخرى
ذلك الروحُ الغواصُ على المعاني
قد غاصَ إلى قلب الطينة الصلصالية
انظرْ إليه وقد خرجَ من طينة الفخار
وانتشرَ الوجود.
وإذا كانت عائشة فد ماتت في "الموت في الحياة" فلا يعني هذا أنها قد ماتت إلى الأبد، وإنَّما يعني أن ولادة جديدة تنتظرها في زمان ما، ومكان ما من هذا العالم"(37)، وقد ظلت شخصية عائشة حاضرة في دواوين البياتي وأشعاره؛ حتى أن الشاعر سمَّى أحد دواوينه بـ"بستان عائشة" وخصَّها بثلاث قصائد هي:" من أوراق عائشة" و"بستان عائشة" و"صورة جانبية لعائشة" كما برزت شخصية عائشة في ديوان "الموت في الحياة" وخصَّها الشاعر بقصيدة "مرثية إلى عائشة" وجاءت خاتمة هذه القصيدة هكذا:
عائشةُ عادتْ إلى بلادها البعيدة
فلتبكها القصيدة
وليبكها الفرات.(38)
وها هي عائشة تبكي الخيَّام في أشعار البياتي:
في نهر الموت
يبكي حكمت -لوركا- ايلوار
يبكي المتنبي وأبو تمَّام
تبكي ليلى المجنون وعائشة تبكي الخيَّام
وأنا أبكي وخزامى تبكي في المنفى الأطفال- الشهداء
في عصر الإرهاب
والعشق- الموت-الثورة- تبكي عائشة.(39)
وفي موطن آخر تصرخ عائشة معلنة عن اسمها، ووالدها الملك الأسطوري الذي كان ملكاً في غابر الأيام:
"عائشة اسمي" قالت: "وأبي ملكاً أسطورياً كانْ
يحكم مملكة دمَّرها زلزال في الألف الثالث قبل الميلاد".(40)
ومن الجدير بالذكر أن عائشة تتكرر مراراً في ثنايا أشعار البياتي؛ وحضورها ملموس في أغلب دواوين الشاعر، فها هي تنهض من تحت الأعشاب البرية، والأحجار السوداء غزالاً ذهبياً تعدو.... في قصيدة مقاطع من عذابات فريد الدين العطار"(41)؛ كما خصص البياتي قصيدة أخرى لعائشة بعد موتها، ولم ينسها فراح يكتب على قبرها في قصيدة معنونة بـ" كتابة على قبر عائشة" قائلاً:
يا راكباً نجران
بلّغْ نداماي إذا ما طلعَ النهارُ
واقتحمتْ مدينةَ الموتى خيولُ النار
وشطَّ بي المزار
"أن لا تلاقيا" ولا لقاء
وابكِ على طفولتي أمام صمت القبر
وقِفْ على أطلال هذا القلب.(42)
وهنالك قصائد أخرى للبياتي حملت عنوان عائشة منها" مجنون عائشة"(43)، وأخرى حملت عنواناً طويلاً" ميلاد عائشة وموتها في الطقوس والشعائر السحرية المنقوشة بالكتابة المسمارية على ألواح نينوى".(44)
جلال الدين الرومي وشمس التبريزي
كما تجلى تأثر عبد الوهاب البياتي بجلال الدين الرومي(604-672ه) المعروف في الأدب الفارسي بـ"مولانا"، وجاء هذا التأثير واضحاً في آثار البياتي بأشكال وصور متعددة؛ منها ما هو تناص واقتباس، ومنها ما هو إشارة وتلميح؛ ومن مظاهر هذا التأثر القصيدة المعنونة بـ" قراءة في ديوان "شمس تبريز" لجلال الدين الرومي" قال فيها:
قالت عائشة للناي الباكي: مَنْ يقتل هذا الشاعر أو يعتقه
من نار الحب الأبدية، ها هو ذا أوغل في السُكْر
وأصبح بي مجنوناً وأنا أصبحت به......أيضاً.
وكلانا مجنون سكرانْ
يبحث عن وجه الآخر في ألحان
نتحطم مثل إناء الخزف الملآن
لمَّا يعرونا، قبل صياح الديك، خمار الظمآن
ها هو ذا شمس الدين
يشرق من "تبريز"
يمنحني بركات العاشق والمعشوق
وكلانا ثمل مجنون
المعشوق هو الكل الحي، وأما العاشق
فهو حجاب وهو الميت
برماد حريق أتغشى وبأسمال الفقراء
أمسك كأس شرابي بيد، وبأخرى شعر حبيبي
أرقص عبر الميدان،
..........
ينهش صدري رخ أسطوري رافق رحلات الرجل المجهول
إلى أصقاع الدنيا، كان "سنائي" و"العطار" رفيقي رحلته الأولى".(45)
والبياتي يشير إلى قصة عشق جلال الدين الرومي لشمس التبريزي المشهورة، كما يشير في المقطع الأخير من هذه القصيدة إلى أحد أبيات جلال الدين الرومي، التي يعترف فيها تواضعاً منه بمتابعته وتقليده لسنائي الغزنوي(473 -532 ه) وعطار النيسابوري (540- 627 ه) حيث يقول:
عطار روح بود وسنايى دو چشم او ما از پی سنایی وعطار آمدیم
والترجمة: إنَّ عطار النيسابوري كان روحاً وسنائي الغزنوي عيناه ونحن جئنا من بعدهما وتابعناهما.
كما عمل البياتي على تخصيص قصيدة كاملة لجلال الدين الرومي في ديوانه "النار والكلمات" واختار لها هذا العنوان: "جلال الدين الرومي" وهي التي تبدأ هكذا:
" اصغِ إلى الناي يئنُّ راوياً....."
قال جلال الدينْ
النار في الناي
وفي لواعج المحبّ
والحزينْ
الناي يحكي عن طريقٍ طافحٍ بالدمِ
يحكي مثل السنين
" شيرين" يا حبيبتي
"شيرين"
دارَ الزمانُ
احترقتْ فراشتي
تَغَصَّن الجبين
وانطفأ المصباح، لكنّي مع السارين
مع المحبين مع الباكين
أحمل أكفاني
يئنُّ راوياً
قال جلال الدين:
" مَنْ راح في النوم سلا الماضي"
مع الباكين
"شيرين" يا حبيبتي
"شيرين".(46)
ويتضح من خلال هذه القصيدة وبشكل قطعي، وبما لا يدع مجالاً للشك أنَّ عبدالوهاب البياتي قد قرأ المثنوي المعنوي للرومي، وهو الذي تجاوزت عدد أبياته ستة وعشرين ألف بيت؛ وخاصة المقدمة المعروفة بـ" نى نامه" في الأدب الفارسي، وهي التي كتبها مولانا بخط يده، وتتكون من ثمانية عشر بيتاً، بل إنَّه يمكننا القول، وبكل جرأة: إنَّ قصيدة البياتي هذه تكاد تكون شرحاً وتوضيحاً وترجمةً لبعض أبيات جلال الدين الرومي ومطلعها:
بشنو اين نی چون شکایت می کند از جداییها حکایت می کند(47)
والترجمة: استمع إلى هذه الناي كيف تشكو وتقص علينا قصة إبعادها وانقطاعها عن موطنها
وهذا ما عبَّر عن البياتي بقول:
" اصغِ إلى الناي يئنُّ راوياً....."
قال جلال الدينْ
النار في الناي
وفي لواعج المحبّ
والحزينْ يحكي مثلما السنين.
أما قول البياتي "النار في الناي" فهو إشارة إلى بيت آخر من مقدمة جلال الدين الرومي:
آتش است اين بانگ نای ونیست باد هر که این آتش ندارد نیست باد(48)
والترجمة: نغمة هذه الناي نار وليست ريحاً، وكل مَنْ لم يكتوِ بنار العشق فليكن مصيره الزوال والفناء.
كما أشار البياتي في هذه القصيدة إلى بيت آخر من أشعار جلال الدين الرومي عندما قال:
الناي يحكي عن طريقٍ طافحٍ بالدمِ
يحكي مثل السنين.
وهذا البيت هو:
نى حديث راه پر خون می کند قصه های عشق مجنون می کند(49)
والترجمة: إنَّ هذه الناي تتحدث عن طريق زاخر بالدماء وهي تروي قصص عشق المجنون.
كما سجل البياتي تأثره بـ" نى نامه" في قصيدة أخرى له عنون لها بـ" "الناي" فقال:
الناي يبكي: إنها الغاباتُ، تبحث، سيدي،
عن قُوتها في باطن الأرض العميقْ
الناي يبكي: إنها ريحُ الخريفْ
الناي يبكي: إنها الأبراج داهمها الحريقْ
الناي: إنسان يُقاومُ موته
موتَ الطبيعةِ والفصولْ. (50)
سعدي الشيرازي
كما نجد سعدي الشيرازي (606-690ه) صاحب كتابي "البستان" و"الكلستان" والمعروف بالشيخ الجليل، وسيد ملك الكلام، والشاعر الكاتب، والكاتب الشاعر في الأدب الفارسي حاضراً وبارزاً في أثار عبد الوهاب البياتي؛ وغيرها من الشخصيات الشعرية الفارسية كأبي القاسم الفردوسي( 329- 411ه) صاحب الشاهنامة؛ فها هو البياتي يصرح قائلاً:
في صدري بستانٌ
سعدي الشيرازي حارسه
لو يدخله شعراء اليوم
لماتوا عطشاً
فتوغَّل بي
فأنا أحلى من كل نساء الفردوسي
وقوافي ( الشاه نامه). (51)
مظاهر أخرى
ومن الجدير بالذكر أيضاً أن الثقافة الفارسية ظلت برموزها ودلالتها وآدابها حاضرة في أشعار البياتي ودواوينه خلال مسيرته الشعرية، لا تكاد تخلو منها قصيدة، وفي هذا المضمار يمكن الإشارة إلى بعضها؛ ومنها ما ظهر جلياً واضحاً في العناوين التي كان البياتي يختارها لدواوينه وأشعاره، وما ذكره صراحة، ومنها ما تم التلميح إليه بإشارة عابرة، ومما جاء في عناوين أشعاره قصيدة: "هكذا قال زرادشت"(52) والكتاب للفيلسوف الألماني المشهور فريدريش نيتشه؛ وهذا يدل على تأثر البياتي بهذا الفيلسوف، ومعروف أن زرادشت هو مؤسس الديانة الزرادشتية في إيران قبل الإسلام، والتي كانت تقوم على الازدواجية الدينية؛ فهنالك إله الخير وإله الشر، كما جاءت بعض العناوين الأخرى حاملة المضمون نفسه كقصيدة" المجوسي" و"العراف" و"العلامة".
وأخيراً وفي نهاية هذا البحث لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ الثقافة الفارسية قد انعكست في آثار عبدالوهاب البياتي بالجغرافيا الإيرانية: بمدنها وبحارها أيضاً؛ حيث نجد العديد من أسماء المدن كـ: أصفهان، وطهران، وشيراز، ونيسابور، وتبريز، وقزوين، وغيرها حاضرة في أشعار شاعرنا؛ بل إنَّ البياتي وقف على بوابات طهران باكياً عندما زارها، ونظم فيها شعراً زاخراً بالمعاني الإنسانية والمشاعر الجياشة، معبراً عن شجونه وعواطفه، وصوَّر لنا لحظات الوداع القاسية، فقال:
على أبواب "طهرانَ" رأيناه
رأيناه
يغني
عمرَ الخيام، يا أختُ، ظنناه
على جبهته جرحٌ عميقٌ، فاغر فاه
يغني، أحمر العينينِ
كالفجر، بيمناه
رغيفٌ
ومصحفٌ
قنبلة، كانت بيمناه
يغني عمرَ الخيام، يا أختُ
حقول الزيت والله
يغني طفله المصلوب في مزرعة الشاه.
وكان الموت أواه
على مقربة منه، على أطراف دنياه.
وناداه وناداه
صياح الديك، أختاه!
وخلَّفناه في الساحة، لا تطرف عيناه
_ "وداعاً!"
قالها، واختنقت في فمه الآه.
_"وداعاً، لك يا طهران
يا صاحبة الجاه
وداعاً لك يا بيتي
وداعاً لك أماه"
ودوُّت طلقة، واختنقت في فمه الآه.
*********
على أبواب طهران رأيناه
يغني الشمس في الليل
يغني الموت والله
على جبهته جرح عميق، فاغر فاه.(53)
كما خصص البياتي أحد دواوينه لمدينة شيراز المشهورة، ووسم قصيدته فيه بـ: "قمر شيراز"، وظلت مدينة شيراز حاضرة بهية في أشعاره تطل علينا من حين لآخر؛ بل إنَّه سجَّل حضور بوابة شيراز التاريخية المشهورة في شعره، والمعروفة بـ"دروازه قرآن" أي بوابة القرآن فقال:
ويطاردني في كل مكان ويسد بوجهي بوابة شيراز
عائشة شمس الفقراء
رحلت بقطار الليل الثلجي إلى شيراز
وأنا نصفي في المنفى والنصف الآخر في الدار
محترقاً مجنوناً، أتبع شارات النار.(54)
النتيجة
أمسى عبد الوهاب البياتي الشاعر العربي الكبير، غزير الإنتاج، وواسع الثقافة، وجوَّاب الأفاق أحد أعمدة الشعر العربي المعاصر، وهرماً من أهرامه الخالدة على مرّ التاريخ، وأضحى تأثير الثقافة الفارسية واضحاً جلياً في آثاره النثرية والشعرية، التي زادت على سبعة وعشرين ديواناً، ومن ثمَّ يمكن القول بأنَّ الثقافة الفارسية أصبحت جزءاً من تجربة البياتي الشعرية وخارطته الروحية، وميَّزته عن غيره من الشعراء، وشكَّلت كنزاً استمد منه كثيراً من موضوعاته وإشاراته وتلميحاته، التي أغنت تجربته الشعرية الفذة، التي لا يطاولها ولا يدانيها شاعر عربي آخر في هذا المجال؛ فقد كان البياتي أكثر الشعراء العرب المعاصرين تأثراً بالثقافة الفارسية وتجلياتها، واستيعاباً لشعرائها وأدبائها واستحضارهم في آثاره ولا سيمَّا الشعرية منها؛ مما أضفى نكهة مميزة، وطابعاً خاصاً على شعره لا نجدها عند الشعراء العرب الآخرين، ومن ثمَّ شكلَّت الثقافة الفارسية إحدى مرجعيات البياتي الثقافية وينابيعه الشعرية التي تفجرت منذ دواوينه الأولى، واستمرت حتى آخر أعماله، فقد وجد فيها غذاءه وقوته الروحي، بعد أنَّ كان يحثَّ الخطى في رحلة البحث عن الحقيقة من بلد لآخر، ومن مدينة لأخرى حتى اكتشف ضالته في الثقافة الفارسية وآدابها؛ فعمل على استثمارها وبلورتها في آثاره؛ فجاءت بارزة وظاهرة للعيان لا تخطئها العين، وهو الموضوع الذي عمل هذا البحث على دراسته وتجليته وإبرازه بالصورة التي تليق به.
الهوامش والتعليقات
(1) من الجدير بالإشارة هنا إلى أن بعض الإسبانيين والمستعربين كتبوا أبحاثاً ودراسات نقدية حول البياتي وأشعاره ودواوينه، ومن هذه الدراسات والأبحاث ما جمعه الدكتور حامد أبو حامد في كتابه المعنون بـ "عبد الوهاب البياتي في إسبانيا"؛ وقد قدَّم أبو حامد شهادات تاريخية حول البياتي، ولا سيَّما أنه صحب الشاعر لشهور طويلة كما يعترف في كتابه انظر ص 9.
(2) انظر رافع يحيى، الإشراقي والأرضي، قصيدة "صورة للسهروردي في شبابه" للشاعر عبد الوهاب البياتي نموذجاً، ص 14 و15.
(3) انظر عبد الوهاب البياتي، آوازهاى سندباد، ترجمه محمد رضا شفيعي كدكني(م. سرشک)، الطبعة الأولى، انتشارات نيل، طهران، 1348ه ش، 1969م( باللغة الفارسية).
(4) انظر محمد رضا شفيعي كدكني، شعر معاصر عرب، الطبعة الثانية، انتشارات سخن، طهران، 1380ه ش، ص 183- 204( بالفارسية) وانظر محمد رضا شفيعي كدكني، شعر معاصر عرب، الطبعة الأولى، انتشارات طوس، طهران، 1359ه ش.( باللغة الفارسية)
(5) انظر هذه القصيدة في كتاب شعر معاصر عرب، الطبعة الثانية، ص 198- 199، وهذا نصها:
نقشت به بیقراری وغربت نشست
چون سرنوشت آب وترانه
چون سرگذشت روشنی وشعر
آوارۀ همیشه تاریخ!
*********
جاروکشان خواجه زرّین
در مقدم هزارۀ سوم
میدان قرن بیستمین را دارند
از بازماندهای صدای تو
جاروب می کنند،
تا روستای کوچک دنیا
جز یک صدا نداشته باشد.
***************
آوارگی سرشت تو بود، آه!
وسرنوشت تو
همچون مسیح ومانی وحلاّج
وهر که روی خویش تُرُش کرد
با تلخی زمانه تاراج.
**********
ای روح بیقرار زمانه
با بغض واژها به گلویت
رفتی وبازمانده، در این شب
"چشم سگان مرده" به سویت.
************
با روی روستای جهانی
بالا گرفته رو به ثریّا
كژوار واستوار
آما هنوز، نبض تو جاری ست
در تیک وتاک ساعت دیوار.
(6) عدنان غريفي، شعرهاى تبعيد وچشمان سگان مرده، عبد الوهاب البياتي، انتشارات رواق، طهران، 1974م (باللغة الفارسية).
(7) انظر عبد الوهاب البياتي، بكائية إلى حافظ الشيرازي، الطبعة الأولى، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1991م، وتحولات عائشة، الطبعة الأولى، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1999م، وينابيع الشمس- السيرة الشعرية، الطبعة الأولى، دار الفرقد للطباعة والنشر، دمشق، 1999م، نصوص شرقية، الطبعة الأولى، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 1999م.
(8) انظر إحسان عباس، عبدالوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث، الطبعة الأولى، بيروت، 1955م.
(9) عبدالوهاب البياتي، الأعمال الشعرية، ج2، ص 457.
(10) عبدالوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، ص 9.
(11) لمزيد من التفصيل انظر عبدالوهاب البياتي، الكتابة على الطين، ص 5 و6.
(12) أحمد نهيرات، شخصيات إيرانية في ديوان عبدالوهاب البياتي، مجلة الجمعية العلمية الإيرانية للغة العربية وآدابها، إيران، صص 1-28، عدد 26، 2013م.
(13) عيسى متقي زاده علي بشيري، الأثر الفارسي في شعر عبدالوهاب البياتي"، مجلة إضاءات نقدية، العدد السادس، إيران، صص 130-150، العدد السادس، حزيران، 2012م.
(14) عباس نجفي، عبد الوهاب بياتي واحمد شاملو در آينه ادبيات تطبيقى، رساله دكترى، گروه زبان وادبيات عرب، دانشكده ادبيات وعلوم انسانى، دانشگاه فردوسی، ایران، 1389ه ش، 2010م ( باللغة الفارسية).
(15) ناهده فوزى وديگران، بررسى شعر محمد رضا شفيعي كدكني وعبد الوهاب البياتى از منظر ادبيات تطبيقى، مجله پژوهشهای ادبیات تطبیقی، صص 79- 97 شمارۀ 1، بهار وتابستان، 1393ه ش، 2014م( باللغة الفارسية).
(16) أبو الحسن أمين مقدسي وشهريار گیتی، حاكميت شب، نگاهی به دو شعر از عبد الوهاب البیاتی ونیما یوشیج، مجله دانشکده ادبیات، دانشگاه طهران، صص 1-20، شمارۀ 4، سال 4، زمستان1391هـ ش، 2012م ( باللغة الفارسية).
(17) عبد الوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، ص 19.
(18) عبد الوهاب البياتي، الأعمال الشعرية، ج 2، ص 57.
(19) المصدر السابق، ج 2، ص 121.
(20) المصدر السابق، ج 2، ص 71.
(21) عبد الوهاب البياتي، محاكمة في نيسابور، مقدمة الكتاب، ص4.
(22)عبد الوهاب البياتي، الأعمال الشعرية، ج 2، ص 65- 66، وانظر ج 2، ص 63 و72و73 و75 و76و 79 و80 و88 و89 و97 و110 و111 و170 و252 و253 و328 و329.
(23) مدني صالح، هذا هو البياتي، ص 67.
(24) لمزيد من التفصيل حول القناع في موت المتنبي، انظر الرؤيا في شعر المتنبي، محيي الدين صبحي|، ص 122 وما بعدها، وانظر قصيدة القناع في أشعار عبد الوهاب البياتي، سيد بيمان ابراهيمي، رسالة ماجستير، جامعة كردستان، العراق.
(25) عبدالوهاب البياتي، كتاب المختارات، ص16و17.
(26) عبدالوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، ص 11.
(27) المصدر السابق، ص 11و12.
(28) عبد الوهاب البياتي، البحر بعيد أسمعه يتنهد، عبد الوهاب البياتي، ص 5.
(29) عبدالوهاب البياتي، كتاب المختارات، ص، 18و 19.
(30) عبدالوهاب البياتي، الأعمال الشعرية، ج1، ص 406.
(31) عبدالوهاب البياتي، الأعمال الشعرية، ج2، ص 95- 97.
(32) محمد علي فروغي وقاسم غني، رباعيات خيام، با تصحيح، مقدمة وحواشي بهاء الدين خرمشاهي، ص 112.
(33) انظر: عبد الوهاب البياتي، تحولات عائشة، ص 5 و6.
(34) المصدر السابق، ص 6 و7.
(35) عبدالوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، ص 10.
(36) عبدالوهاب البياتي، كتاب المختارات، ص، 17
(37) انظر قصيدة كتابة على قبر عائشة، الأعمال الشعرية، ج 2 ص 179.
(38) عبدالوهاب البياتي، الأعمال الشعرية، ج2، ص 128.
(39) المصدر السابق، ج2، ص 302.
(40) المصدر نفسه، ج 2، ص 390.
(41) المصدر نفسه، ج 2، ص 406.
(42) المصدر نفسه، ج 2، ص 179.
(43) المصدر نفسه، ج 2، ص 244.
(44) المصدر نفسه، ج 2، ص 266.
(45) المصدر نفسه، ج 2، ص 443- 445.
(46) المصدر نفسه، ج 1، ص 469.
(47) كريم زماني، شرح مثنوى معنوى، دفتر اول، ص 48.
(48) المصدر السابق، دفتر اول، ص 57.
(49) المصدر نفسه، دفتر اول، ص 59.
(50) عبدالوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، ج 2، ص 454.
(51) عبد الوهاب البياتي، البحر بعيد أسمعه يتنهد، عبد الوهاب البياتي، ص 15.
(52) انظر قصيدة هكذا قال زرادشت، الأعمال الشعرية، عبد الوهاب البياتي، ج 2، ص 205-206.
(53)عبدالوهاب البياتي، الأعمال الشعرية، ج1، ص 280- 281، ومن الملاحظ أيضاً أن مدينة طهران قد تكررت في آثار البياتي انظر ج 1، ص 211 و212 و280 وج 2، ص93 و471.
(54) عبدالوهاب البياتي، الأعمال الشعرية، ج2، ص 430-431، وانظر المواطن التالية التي جاء فيها ذكر هذه مدينة شيراز ج 2، ص،119 و240 و242 و243 و269 و324 و359 و383 و384 و386 و432.
المصادر والمراجع
1- إحسان عباس، عبدالوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث، الطبعة الأولى، بيروت، 1955م.
2-أحمد نهيرات، شخصيات إيرانية في ديوان عبد الوهاب البياتي، مجلة الجمعية العلمية الإيرانية للغة العربية وآدابها، صص 1-28، عدد 26، طهران، 2013م.
3-حامد أبو حامد، عبدالوهاب البياتي في إسبانيا، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،1991م.
4- رافع يحيى، الإشراقي والأرضي، قصيدة "صورة للسهروردي في شبابه" للشاعر عبد الوهاب البياتي نموذجاً، الطبعة الأولى، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1999م.
5- سامح الرواشدة، شعر عبد الوهاب البياتي والتراث، الطبعة الأولى، وزارة الثقافة، عمان، 1996م.
6- سعدي يوسف وآخرون، عبد الوهاب البياتي في مدن العشق، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1995م.
7- سيد بيمان ابراهيمي، قصيدة القناع في أشعار عبد الوهاب البياتي، رسالة ماجستير، جامعة كردستان، العراق.
8- عبد الوهاب البياتي، الأعمال الشعرية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ودار الفارس للنشر والتوزيع، عمان، 1995م.
9- ..............، بكائية إلى حافظ الشيرازي، الطبعة الأولى، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1991م.
10- .................، تجربتي الشعرية، الطبعة الثالثة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1993م.
11- ....................، تحولات عائشة، الطبعة الأولى، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1999م.
12-.................، الكتابة على الطين، الطبعة الأولى، منشورات دار الآداب، بيروت،1970م.
13- .................، كتاب المختارات، اختارها وقدّم لها محمد مظلوم، الطبعة الأولى، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1998م.
14- .................، حرائق الشعراء، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1994م.
15- .................، نصوص شرقية، الطبعة الأولى، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 1999م.
16- .................، كنت أشكو إلى الحجر، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1993م.
17- .................، كتاب المراثي، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1995م.
18-................، محاكمة في نيسابور، دون طبعة، الدار التونسية، تونس، 1973م.
19- ...............، البحر بعيد: أسمعه يتنهد، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1998م.
20- .............، ينابيع الشمس- السيرة الشعرية، الطبعة الأولى، دار الفرقد للطباعة والنشر، دمشق، 1999م.
21- عدنان غريفي، شعرهاى تبعيد وچشمان سگان مرده ، عبد الوهاب البياتي، ترجمة عدنان غريفي، انتشارات رواق، طهران، 1974م. ( باللغة الفارسية)
22-عيسى متقي زاده وعلي بشيري، الأثر الفارسي في شعر عبد الوهاب البياتي، مجلة إضاءات نقدية، إيران، العدد السادس، حزيران، 2012م.
23- كريم زماني، شرح جامع مثنوي معنوي، الطبعة السادسة، انتشارات اطلاعات، طهران، 1378ه( بالفارسية)
24- محمد بن صالح، لم يبق إلاّ الشعراء، مقاربة حرة في الراهن الشعري العربي من خلال محاولة رصد لتجربة البياتي، نبراس للنشر، تونس، 1993م.
25- محمد رضا شفيعي كدكني، شعر معاصر عرب، الطبعة الأولى، طهران، 1357( 1978م) وانظر الطبعة الثانية، انتشارات سخن،1380ه( باللغة الفارسية)
26- محمد علي فروغي وقاسم غني، رباعيات خيام، با تصحيح، مقدمة وحواشي بهاء الدين خرمشاهي، الطبعة الثانية، طهران، 1378ه ش ( بالفارسية)
27- محيي الدين صبحي، الرؤيا في شعر البياتي، الطبعة الأولى، دار الشؤون الثقافية العامة،"آفاق عربية" بغداد، 1987م.
28- محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، الطبعة الأولى، دار الثقافة، بيروت، 1973م.
29- محمود جابر عباس، الشاعر عبد الوهاب البياتي من مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني إلى مرقد الشيخ محيي الدين بن عربي، الطبعة الأولى، دار الكرمل للنشر والتوزيع، عمان، 2001م.
30- مدني صالح، هذا هو البياتي، الطبعة الأولى، دار الشؤون الثقافية العامة "آفاق عربية" بغداد، 1986م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق