الأحد، 12 أبريل 2026


 المثاقفة العربية الفارسية: عرار والخيام أنموذجاً                

بحث منشور في الكتاب الصادر عن المؤتمر العلمي الدولي الموسوم بـ: التحديات المعاصرة للمجتمعات العربية واستراتيجيات معالجتها صص 1387 - 1398 والذي  

 2026 /2/12-11في حاب جامعة إربد 

  الملخص

     يسعى هذا البحث إلى تسليط الأضواء على علاقة الشاعر الأردني الكبير عرار (1899- 1949م) بالشاعر الفارسي المشهور عمر الخيام ( 439- 526 هـ) ورباعياته في إطار المثاقفة العربية الفارسية؛ فقد انفتح عرار على اللغات والثقافات الأخرى؛ ولا سيَّما اللغة الفارسية وآدابها منذ عام 1912م، عندما تعرَّف على رباعيات عمر الخيام عن طريق ترجمة وديع البستاني؛ فأحبها وعشقها وهام فيها، وكانت مدعاة له حتى يتعلم اللغة الفارسية، وينجز الترجمة العربية الأولى لرباعيات الخيام عن لغتها الأم عام 1922م، ولم يكتف عرار بترجمة الرباعيات؛ بلْ إنَّه سعى في إطار اهتماماته وجهوده في الدراسات "الخياميَّة" إلى تأليف كتاب عن الخيام، وأنجز بعض الخطوات فيه؛ وواصل رحلة البحث عن الخيام وآثاره في المحاضرة التي ألقاها في الندوة الأدبية، التي أقيمت في عمان في الأربعينيات من القرن الماضي، وأعلن فيها اكتشافه "رسالة الكون والتكليف" لعمر الخيام، وظل مشغولاً، ومسكوناً، وباحثاً، ومفتشاً عن الخيام، وشخصيته، وفلسفته، وآثاره العلمية، والأدبية، وترجمة الرباعيات باللغات الأربعة التي كان يعرفها وهي: العربية، والفارسية، والتركية، والكردية حتى وفاته عام 1949م.

    لقد وقع شاعر الأردن الكبير تحت تأثير أفكار عمر الخيام وفلسفته، ونظم أشعاراً "خيامية" باللغتين العربية والفارسية تحت تأثيره، وهذا ما يبدو واضحاً في ديوانه المشهور "عشيات وادي اليابس"؛ كما كان يصف نفسه بأنَّه "خيامي المشرب"، ويرسل شعره على كتفيه تأسياً بالخيام حسب اعتقاده، وبقي مشغولاً بالخيام ورباعياته وترجمتها وتنقيحها طوال حياته؛ فاستحق أن نسميه "تلميذ الخيام" و"خيام الأردن"؛ وهي المهمة التي يضطلع بها هذا البحث، ويسعى إلى كشف اللثام عنها من خلال تناول العلاقة التي ربطت عرار بالخيام، وترجمته للرباعيات وتأثره بها وبصاحبها، ورصد وتتبع أصداء ترجمته في الخطاب النقدي المعاصر في العالم العربي، ودراسة وتحليل هذه الترجمة في إطار المثاقفة العربية الفارسية، التي بدأت منذ مرحلة ما قبل الإسلام، وما زالت مستمرة حتى يومنا الحاضر بصور وأشكال مختلفة، وقد خلصت الدراسة إلى أن ترجمة عرار لرباعيات الخيام كانت الترجمة العربية الأولى التي تمت مباشرة عن لغتها الأم، وحققت أصداء طيبة في الخطاب النقدي العربي المعاصر من خلال المثاقفة العربية الفارسية.

مقدمة

   إنَّ المثاقفة العربية الفارسية ليست مسألة جديدة، بلْ إنَّها قديمة، وجذورها ضاربة في أعماق التاريخ، وقد بدأت منذ وقت مبكر عندما تسربت بعض الكلمات الفارسية إلى اللغة العربية منذ العصر الجاهلي؛ بيد أنَّ المثاقفة العربية الفارسية برزت بشكل واضح في مرحلة ما بعد الإسلام، وتجلَّت في مسائل كثيرة منها: الثقافية، واللغوية، والاجتماعية، والدينية، وغيرها؛ فقد استبدلت الفارسية الحديثة أبجديتها القديمة، وأصبحت تستعمل الحروف العربية كاملة، ومن هنا أحدثت العربية ثورة في اللغة الفارسية عزَّ نظيرها في اللغات الأخرى، فقد وصل هذا التثاقف إلى درجة أنَّ الكلمات العربية التي دخلت إلى الفارسية أصبحت تشكّل حوالي 60% من مفردات اللغة الفارسية باعتراف مجمع اللغة الفارسية والمختصين بهذه اللغة من العرب والفرس[1].

   لا شك أنَّ عملية المثاقفة هذه التي توسعت مع الفتح الإسلامي لإيران منذ سنة 21 للهجرة في واقعة نهاوند المعروفة بـ" فتح الفتوح"، واستمرت عبر العصور بأشكال مختلفة وصور متنوعة كان من أبرزها حركة الترجمة، التي بدأها عبد الله بن المقفع بترجمة كتاب "كليلة ودمنة" إلى اللغة العربية عن اللغة الفارسية البهلوية، وما زالت هذه المثاقفة بين العربية والفارسية تأليفاً وترجمةً وتفاعلاً وتأثراً وتأثيراً مستمرة منذ ذلك الحين، وحتى هذا اليوم بصور وأشكال متعددة، ولم تنقطع في أي عصر من العصور، وإنْ اعتورها الفتور والتراجع بين الحين والآخر، على الرغم مما واجهته من بعض المعضلات والمعوقات التي وقفت في وجهها، وأبرزها عامل جوهري ألا وهو القطيعة السياسية مع إيران، وعامل آخر وهو أنَّ القلة القليلة من العرب هم وحدهم الذين يعرفون اللغة الفارسية، ويتعاملون معها تأليفاً وترجمةً وتفاعلاً وحواراً ثقافياً، وهو ما يشكّل تحدياً للمجتمعات العربية، التي باتت تجهل ما يجري داخل المجتمع الإيراني على المستويات كافة، ولا سيَّما النواحي الأدبية والثقافية التي غابت عنا في العالم العربي وخاصة في الجامعات العربية، وقد ساهمت عدة عوامل في تكوين هذه الصورة القاتمة لدينا بعضها يتعلق بالمجتمع الإيراني، الذي بقي منغلقاً على نفسه طيلة عشرات السنين، وبعضها الآخر يتعلق بنا نحن العرب كما سبقت الإشارة.

    على أية حال، لقد نشطت المثاقفة العربية الفارسية، وانتعشت مرة أخرى مع نهايات القرن المنصرم، وبدايات الألفية الحالية، ودبت فيها الروح من خلال عشرات الأبحاث والدراسات والكتب التي أنجزت في إطار هذه المثاقفة ترجمةً وتأليفاً؛ فتُرجمتْ عشرات بل مئات الكتب من الفارسية إلى العربية وبالعكس[2]، ولاقت الدراسات المقارنة الاهتمام والعناية من الجانبين العربي والفارسي، ولا سيَّما التي بحثت موضوع التأثر والتأثير من قبل الباحثين والأكاديميين في الجامعات الإيرانية؛ كتلك الأبحاث والدراسات التي تناولت أبا الطيب المتنبي وسعدي الشيرازي، وأبا العلاء المعري والخيام، وأبا نواس والرودكي، وأبا فراس الحمداني ومسعود سعد سلمان، ومحيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي، وابن الفارض وحافظ الشيرازي، والشريف الرضي ومحتشم الكاشاني، وأبا العتاهية وناصر خسرو، وبدر شاكر السياب ونيما يوشيج ، ونازك الملائكة وبروين اعتصامي، ونازك الملائكة وفُروغْ فَروخْ زاد، وسعاد الصباح وفروغ فرخ زاد، وفدوى طوقان وطاهره صفَّار زاده، وأبا القاسم الشابي وسُهراب السبهري، وأدونيس وأحمد شاملو، وابن خفاجة الأندلسي ومنوجهري الدامغاني، ومحمود سامي البارودي وملك الشعراء بهار، وأحمد شوقي وملك الشعراء بهار، وطه حسين ومحمد علي إسلامي نُدوشَنْ، ومحمد مهدي الجواهري ومحمد فرخي اليزدي، وعرار والخيام، وإحسان عباس وعبدالحسين زرين كوب، وجابر عصفور وشفيعي كدكني، وأدونيس وشفيعي كدكني، وجبران خليل جبران وشفيعي كدكني، ومحمود درويش وقيصر أمين بور، وأحمد مطر وكروس عبد الملكيان، ونزار قباني ومنوجهر آتشي، ونجيب محفوظ ومحمود دولت آبادي، ونجيب محفوظ وأحمد محمود، ونجيب محفوظ وصادق جوبك، وامرؤ القيس والخاقاني، والبحتري والخاقاني، وعبدالوهاب البياتي وإيرج ميرزا، وعبدالرحمن منيف وبزرك علوي، وغادة السمان وسيمين دانشفور، وخليل حاوي وأحمد شاملو، وبلند الحيدري ومهدي أخوان ثالث، وليلى والمجنون وخسرو والمجنون، والمقامات، والحبسيات، والخمريات، والمراثي، والأمثال الفارسية والعربية[3]، وغيرها من عشرات الأبحاث والدراسات ورسائل الماجستير والدكتوراه، التي كُتبت في أقسام اللغة الفارسية، واللغة العربية في الجامعات الإيرانية، التي يزيد عددها على مئة قسم، وبعض أقسام اللغة الفارسية المحدودة في العالم العربي.

وعليه فقد جاء البحث الحالي لاستجلاء معالم المثاقفة العربية الفارسية من خلال الشاعر الأردني المعروف عرار، الذي عاش طوال حياته باحثاً ومسكوناً ومتأثراً بعمر الخيام سلوكاً وأدباً وترجمةً. 

مشكلة الدراسة

       نظراً لأهمية وندرة الأبحاث والدراسات العربية المختصة في المثاقفة العربية الفارسية، وما تشكّله من تحديات للمجتمعات العربية، وجهلها لما يدور في الساحة الثقافية الإيرانية، وما يسودها من تجاذبات مختلفة، وما نشهده من دعوات ينادي جلُّها بضرورة الحديث عن التواصل مع الآخر، ومعرفة آداب وثقافات الأمم والشعوب الأخرى في عصر العولمة وحوار الحضارات، الذي بتنا أحوج ما نكون إليه في عصرنا الحالي بعيداً عن الصراعات السياسية والعقدية؛ فقد جاء هذا البحث لتسليط الضوء على طبيعة العلاقة التي ربطت عرار شاعر الأردن الكبير بعمر الخيام ورباعياته منذ وقت مبكر، والتعرف على الجهود التي بذلها عرار  في هذا الإطار، ولا سيمَّا ترجمته للرباعيات وكيف تأثر بها، وهو الذي أمضى حياته مشغولاً ومتأثراً بالرباعيات وبصاحبها.

ومن الجدير بالذكر أن الجامعات الإيرانية اهتمت اهتمام كبيراً في السنوات الأخيرة بالدراسات المقارنة بين العربية والفارسية، وشجعت طلاب الدراسات العليا على التوجه إليها والعناية بها، كما أسست مجموعة من المجلات العلمية المحكَّمة المختصة في الدراسات المقارنة، وأقدمت على نشر عشرات الأبحاث في حقل الأدب المقارن؛ ومن المؤسف أننا نجد أغلب الجامعات العربية بالمقابل قد غفلت عن هذا الجانب من الدراسات، ولم توله الرعاية والاهتمام التي يستحقها؛ وعليه فإنَّ مشكلة هذا البحث تتمثل في سؤالها الرئيس وهو: ما هي أبرز معالم المثاقفة العربية الفارسية في حقل الدراسات المقارنة؟ وتتفرع عنه الأسئلة الآتية:

   1- ما هي طبيعة العلاقة التي ربطت عرار بالخيام؟
    2-هل ترجمة عرار هي الترجمة العربية الأولى التي تمت عن اللغة الفارسية مباشرة؟
    3- 
ما هي الأصداء التي تركتها ترجمة عرار لرباعيات الخيام في العالم العربي؟
   4- ما هو التأثير الذي تركه الخيام ورباعياته في شخصية عرار وأدبه؟

     5-ما أهمية ترجمة عرار لرباعيات الخيام؟

أهداف الدراسة

تهدف الدراسة الحالية إلى الإجابة عن أسئلتها، وذلك بتحقيق الآتي:

1- بيان العلاقة التي ربطت عرار بالخيام ورباعياته.

2- توضيح تأثير الخيام ورباعياته في شخصية عرار وشعره.

3- استجلاء أهمية ترجمة عرار لرباعيات الخيام.

4- التأكيد على أنَّ ترجمة عرار كانت الترجمة العربية الأولى التي تمت عن اللغة الفارسية مباشرة

5- توضيح الأصداء التي تركتها ترجمة عرار في الخطاب النقدي العربي.

 

أهمية الدراسة

يُتوقع للدراسة الحالية أن تفيد الجهات الآتية:

1- الباحثين والأكاديميين المتخصصين في الدراسات المقارنة بين العربية والفارسية في إيران والعالم العربي.

2- طلاب الدراسات العليا في أقسام اللغة الفارسية والعربية في الجامعات الإيرانية والعربية.

3-  الأدباء والمثقفين والمهتمين بالدراسات الأدبية والثقافية في إيران.

  الدراسات السابقة

1-  تأثير حكيم نيسابور في الشاعر الأردني الكبير "عرار"، بسام علي الربابعة، مؤتمر دراسات اللغة الفارسية، جامعة تربية مدرس، طهران،2001م، وقد طبع هذا البحث في الكتاب الصادر عن المؤتمر وهو باللغة الفارسية[4].

2- بين الخيام وعرار: دراسة في ترجمة عرار للرباعيات وأثرها في شعره، بحث منشور في كتاب دم المدائن والقصيد: هواجس عربية، الدكتور خالد الكركي[5] وقد ركَّز على تحليل ترجمة عرار لرباعيات الخيام، وكيف انعكست هذه الترجمة على تجربته الشعرية، من خلال دراسة مقارنة بين النص الفارسي الأصلي وترجمة عرار.

3- عرار والخيام: ترجمة الرباعيات ونصوص أخرى، تحقيق وتقديم الدكتور زياد صالح الزعبي، (يضم هذا الكتاب ترجمة عرار للرباعيات المشتملة على 169 رباعية والنصوص النثرية الأخرى المتعلقة بالخيام ورباعياته.)[6]

 منهج الدراسة

اتبع الباحث المنهج الوصفي التحليلي ضمن الخطوات الآتية:

-      استقراء آثار عرار وكتاباته حول الخيام ورباعياته وتأثره بهما.

-      دراسة وتحليل ترجمة عرار للرباعيات من خلال مطابقتها مع الأصل الفارسي.

-      رصد وتتبع ترجمة عرار لرباعيات الخيام وتحليل أصدائها في الخطاب النقدي في العالم العربي.

 المحور الأول: الوجه الآخر لعرار

 يعدُّ مصطفى وهبي التل الملقب بـ"عرار"؛ الشاعر الأردني الكبير من أكثر الأدباء والمستنيرين والمثقفين الأردنيين شهرةً، وقد حظي بشهرة كبيرة في المحافل الثقافية والأدبية في الأردن والعالم العربي من حيث كونه شاعراً؛ إلا أنَّه لم يكن شاعراً فقط؛ بل كان مترجماً، وناقداً، وباحثاً، وكاتباً، وقاصاً، ومصلحاً اجتماعياً، وواحداً من رجالات الدولة الأردنيين؛ فكان عرار وما زال مثل النجمة التي تلألأ في سماء الثقافة والأدب في الأردن؛ فهو أول أديب أردني يعتنى باللغة الفارسية في أوائل القرن الماضي بسبب تعلقه بالخيام ورباعياته، ويقدم على ترجمة 169 رباعية من رباعيات الخيام إلى اللغة العربية، ولا شك أنَّ هذه الترجمة تتمتع بأهمية خاصة؛ لأنَّها الترجمة العربية الأولى، التي تمت عن اللغة الفارسة مباشرة عام 1922م، ونُشرت مختارات منها اشتملت على 52 رباعية في مجلة "مينرفا" اللبنانية عام 1925م[7]؛ في حين بقيت ترجمة الرباعيات الأخرى مكتوبة بخط عرار، حتى أقدم يعقوب العودات عام 1958م على نشر مجموعة منها في كتابه المشهور "عرار شاعر الأردن"[8]، ثم جاء الأديب الأردني المعروف عيسى الناعوري، وأعدَّ نسخة منها مرقومة على الآلة الكاتبة في السبعينيات من القرن الماضي، اشتملت على ترجمة 169 رباعية، مع مقدمة في عشرين صفحة حول الخيام ورباعياته، وأودعها المجموعات الخاصة في مكتبة الجامعة الأردنية[9]، ومن ثمَّ قام الدكتور يوسف بكار بتحقيق ترجمة عرار ونشرها عام1990م[10]، كما عمل الدكتور زياد الزعبي على تحقيق نسخة الناعوري ونشرها في عام 2003م.[11]

   حقيقة يعدُّ مصطفى وهبي التل نابغة قلَّ مثيله في المحافل الأدبية   والثقافية في العالم العربي، يجدر بحث كثير من مضامين آثاره ودراستها؛ فقد أضحى من الشخصيات الخالدة، ومن الطبيعي أنْ نجد عدداً من الكتَّاب والأدباء والمفكرين يشتهرون وهم على قيد الحياة، ويتمُّ تكريمهم، بينما البعض الآخر يُعرفون أثناء حياتهم، وينسون بعد موتهم؛ أما عرار فسوف يبقى حاضراً في الأذهان دائماً، ولن ينسى أبداً.

   كان شاعر الأردن الكبير يتمتع بخصائص استثنائية وفريدة من نوعها؛ فمن خلال النظر في آثاره حول الخيام ورباعياته، يمكن التوصل إلى القيم الفنية والأدبية الكامنة في هذه الآثار، وريادته في بعض القضايا، فمضامين كتاباته في مجال الدراسات الخياميَّة غنية، ودالة على اطلاعه الواسع، ولذلك وجدتْ صدى واسعاً في التيارات النقدية العربية المعاصرة، فقد كان لـعرار نشاطات لافتة في المحافل الأدبية والسياسية في العالم العربي في النصف الأول من القرن العشرين؛ إذْ كان العالم العربي في تلك الفترة يغرق في العزلة والتخلف، بينما كان عرار مشغولاً بالإصلاحات السياسية والاجتماعية في المجتمع الأردني، وتدوين مقالات متنوعة، وطباعتها في صحف العالم العربي ومجلاته، كما كان مشغولاً بنشاطات أخرى، ومن ضمنها زيارة بعض الدول الشقيقة والصديقة كـ: فلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، وتركيا، والسعودية.

  واجه هذا الأديب الأردني والمصلح الاجتماعي والسياسي الذي لا يكلُّ ولا يملُّ، والنابغة الذي كان يملك أفكاراً إبداعية مشكلات وعوائق متعددة؛ ولا شك أنَّ العوامل السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية من العوامل المؤثرة في تشكيل شخصيته، وخصائصها الفردية النفسية ولها سهم كبير في ذلك؛ فقد كان من الرواد والمصلحين الذين سعوا لإصلاح الأوضاع السياسية والأحوال الاجتماعية في الأردن؛ إلا أنَّ النجاح لم يكن حليفه في هذه الإصلاحات، ولم يستطع أن يطبَّقها على أرض الواقع، وقد ظهرت علامات هذه الهزيمة في شخصية الشاعر وآثاره الأدبية كذلك، ولكل هذا فإنَّ توجهه إلى معاقرة الخمرة، وهروبه من مجتمعه، ولجوءه إلى مجتمع الغجر كان نتيجة طبيعية لهزيمته، وإخفاقه في إصلاحاته.  

    لم يكن عرار طوال حياته الزاخرة بالأحداث، والاضطرابات، والسجن والنفي، يفكر بالشهرة ويسعى إليها، إلا أنَّ قضية الخلود في تاريخ أي دولة تبقى قضية مهمة، ومعيارها وملاكها ثقافة وتاريخ المجتمع الذي يحكم على أي شخص يُخلَّد؟ وأي شخص لا يُخلَّد؟ وبشكل عام فقد استطاع "عرار" أن يحقق مكانة مرموقة في المحافل الثقافية والأدبية في العالم العربي أثناء حياته وبعد رحيله من هذه الدنيا؛ فقد ترك تأثيره الواضح في الحركة الأدبية في العالم العربي، وجذب إليه مجموعة من النقاد والباحثين، وحقَّق مكانة مرموقة في حركة النقد العربي المعاصر، وحقيقة ومن خلال تطبيق القواعد العامة للنقد الأدبي على ترجمة عرار لرباعيات الخيام يمكن فهم الانسجام الداخلي لأغلب الكتابات النقدية التي تناولت ترجمته؛ إلا أنَّه يجب دراسة جميع هذه الجهود من خلال أصداء ترجمته في المحافل الثقافية والأدبية في العالم العربي.

 المحور الثاني: عرار وترجمة الرباعيات

   لقد كان اهتمام عرار برباعيات الخيام، وترجمة مختارات منها حادثة مهمة جداً في العالم العربي؛ فقد ضاعفت التأثير الإيجابي لنشاطات أدباء العالم العربي ونقاده حول ترجمته، وبالطبع فإنَّ التأكيد على الدور الأساسي لقيمة هذه الترجمة وأصدائها في الخطاب النقدي العربي المعاصر لا يعني غض النظر عن مآخذها؛ إذْ إنَّ هاتين المقولتين حول نقد ترجمة عرار منفصلتان، ويجب أن نتذكر دائماً أنَّ النقد الصحيح يجب أنَّ يتمَّ في جو سليم وموضوعي، وبعيداً عن أي نوع من عدم الحيادية، والبحث عن العيوب والمثالب.

     لا شك أنَّ هنالك توقعات وآمالاً جديدة تشكَّلت في العالم العربي مع مرور الزمن، ودخول متغيرات حديثة، بحيث تجعل الأدباء والنقاد والمثقفين -اعتماداً على أمور متعددة- يجيبون على رغبات المجتمع الأدبية والثقافية، ومن هنا وبشكل دقيق تتغير ماهية النقد الأدبي ومعناه، وترتقي من الصنعة الخاصة للنقاد إلى الوظيفة والمسؤولية الأخلاقية والعلمية والأدبية، وينبغي على النقاد والدارسين، الذين تقع على عاتقهم هذه الوظيفة الخطيرة الاهتمام بالقضايا المهمة والعميقة في كتاباتهم النقدية، والابتعاد عن القضايا السطحية، والشخصية، والظاهرية؛ لأنَّ النقاد والباحثين كالمفكرين يجب أن يبتعدوا في نقدهم، وإبداء وجهات نظرهم عن القضايا السياسية والشخصية؛ إلا أنَّه من المؤسف أنَّ الكتابات النقدية لبعض الباحثين قد تشابكت مع هذه الأمور، ودخلت القضايا السياسية، والشخصية، وغير العلمية في عالم النقد الأدبي.

 بدأت ترجمة شاعر الأردن الكبير لرباعيات الخيام تجد أصداءها في حركة النقد العربي المعاصر شيئاً فشيئاً منذ عام 1925م؛ فقد عمل مجموعة من النقاد البارزين والباحثين المشهورين وأساتذة الجامعات العربية على تناول ترجمة "عرار" بالبحث والدراسة والتحليل؛ فأقدم بعض النقاد على بيان أهمية هذه الترجمة، وخصائصها، ومناقبها؛ في حين عمل آخرون على بيان مثالبها ومآخذها، وعلى أي حال فقد حقق "عرار" وترجمته لرباعيات الخيام شهرة واسعة في العالم العربي، وصدى هذه الترجمة في المحافل الثقافية والأدبية شاهد على ذلك بشكل لافت؛ إلى الحد الذي يمكن القول فيه بأنَّ الكتب والمقالات التي طُبعتْ حول عرار وترجمته في المجلات والمطبوعات والصحف والمواقع الإلكترونية الصادرة في العالم العربي كثيرة، وهي تزداد بشكل ملحوظ، ولا يمكن لباحث أن يقوم بجمعها بجهوده الفردية.

     إنَّ الملاحظة الجدير بالذكر هي أنَّ  شهرة "عرار" وترجمته لرباعيات حكيم نيسابور لا تنحصر بالعالم العربي؛ بلْ إنَّ هذه الشهرة تجاوزت الجغرافيا والحدود العربية؛ وأصبحت تتمتع بالشهرة العالمية شيئاً فشيئاً، ولا شك أنَّها ميزة مهمة جداً، ولا ريب أنَّ قضية العالمية في العصر الحديث قضية معقدة؛ والحكم بها عمل شاق جداً؛ فقد عمل الأديب الأردني عيسى الناعوري الذي كان يشارك في مؤتمرات متعددة في الجامعات الغربية على التعريف بـ"عرار"، وترجمة نماذج من شعره إلى اللغة الإنجليزية والإيطالية منذ السبعينيات من القرن الماضي[12]، وفي هذا الإطار التفتت جامعة طهران إلى هذه الترجمة وتبنتها لتدريسها لطلابها، كما أقدم ريتشارد تيلر الأستاذ الأمريكي الذي كان يُدَّرس في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة اليرموك في الثمانينيات من القرن الماضي على ترجمة ديوان: "عشيات وادي اليابس" إلى اللغة الإنجليزية، وتقديمه للناطقين باللغة الإنجليزية[13]، وكذلك عمل الدكتور خلف الخريشا على كتابة أطروحته لدرجة الدكتوراه حول تحليل أشعار "عرار" باللغة الإنجليزية في جامعة أنديانا الأمريكية عام 1987م.[14] 

    في عام 1999م أقيم مؤتمر كبير في الأردن لتكريم عرار بمناسبة الذكرى المئوية لولادته؛ وشارك في هذا المؤتمر السياسيون، والأدباء، والشعراء، والمثقفون الأردنيون، وجمع من الشعراء والكتَّاب من العالم العربي: سوريا، ولبنان، والعراق، والبحرين، وتونس.... وعملوا على تكريم شاعر الأردن الكبير وتمجيده، كما عملت أمانة عمان الكبرى بهذه المناسبة على ترجمة مختارات من شعره إلى اللغة الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية.

   وفي عام 2010م أنشأت جامعة اليرموك في كلية الآداب كرسي "عرار" للدراسات الثقافية والأدبية على أن يكون هذا الكرسي مركزاً من المراكز البحثية المختصة بالدراسات الثقافية والأدبية، ويسعى إلى التركيز على أهمية الأبداع الأدبي والثقافي في الأردن، وتوثيقه ورصده ليعكس الوجه الثقافي والأدبي، ويهدف إلى جمع الوثائق والصور والأوراق الخاصة في مقر كرسي عرار، ولا شك أنَّ هذه الخطوة ذات أهمية أدبية وسياسية كبيرة للحياة في الأردن في النصف الأول من القرن العشرين، وإنشاء مكتبة خاصة تضم آثار عرار المنشورة والمخطوطة، وجمع ما كُتب عنه من رسائل جامعية، وكتب وأبحاث، ومقالات، وما أنتج حوله من أعمال فنية: ندوات تلفزيونية، وإذاعية، وأفلام، وتسجيلات، ومسرحيات.[15]

    وفي هذا الإطار أقام قسم اللغات السامية والشرقية وكرسي عرار للدراسات الثقافية والأدبية في جامعة اليرموك عام 2022م، وبالتعاون مع المكتب التنفيذي لاحتفالية إربد عاصمة للثقافة العربية ومديرية ثقافة إربد ندوة أدبية تحت عنوان "عرار واللغة الفارسية"، شارك فيها كل من الدكتور يوسف بكار بورقة علمية موسومة بـ:" عرار وترجمة رباعيات الخيام"، والدكتور بسام الربابعة صاحب هذا البحث بورقة علمية معنونة بـ:" عرار واللغة الفارسية"، والدكتور عبدالكريم جرادات بورقة علمية تحت عنوان:" عرار ورضا توفيق من الائتلاف إلى الاختلاف"، ولاقت الندوة صدى طيباً لدى المشاركين وفي الصحف والمواقع الإلكترونية المختلفة.[16]

    كما عمل هذا الكرسي عام 2024م على تنظيم ندوة بعنوان: "عرار في ذكراه الماسية" بمناسبة مرور خمسة وسبعين عاماً على رحيله، وقدَّم صاحب هذا البحث ورقة موسومة بـ "الدراسات الفارسية حول عرار"، وتمت الإشارة إلى أنه على الرغم من مئات البحوث والدراسات والكتب والمقالات التي كُتبت حول عرار وترجمته للرباعيات؛ إلا أننا ما زلنا نشعر أننا في مرحلة البحث والتنقيب عن شاعر الأردن الكبير من أوجه مختلفة وزوايا متعددة.[17]

 المحور الثالث: عرار وأصداء ترجمته

  إنَّ افتقار الجامعات العربية إلى أقسام وبرامج مختصة بالدراسات المقارنة بين العربية والفارسية؛ إنْ على مستوى البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه، هو ما جعل هذا النوع من الدراسات شحيحاً ونادراً في العالم العربي، ومن ثمَّ فإنَّ المختصين بالدراسات المقارنة في الجامعات العربية نادرون؛ وهو ما دعا الباحث الحالي وشجعه إلى التوجه نحو هذا النوع من الأبحاث والدراسات المتعلقة بالأدب المقارن منذ أن كان طالباً في جامعة طهران، وأنجز في هذا الإطار مجموعة من هذه الأبحاث الدراسات باللغة الفارسية؛ كان من أبرزها أطروحة الدكتوراه التي جاءت موسومة بـ" الخيام في الأدب الأردني المعاصر: اعتماداً على آثار الشاعر الأردني الكبير عرار"، والتي نُوقشت في جامعة طهرن عام 2004م[18]، وقد عمل البحث الحالي على عرض فصولها وأفكارها الرئيسية، وتناول تأثير الخيام ورباعياته في عرار وآثاره ضمن الدراسات المقارنة، وفي إطار المثاقفة العربية الفارسية، وعمل على ترجمة آثار عرار النثرية كاملة حول الخيام ورباعياته، وألحقها في نهاية الأطروحة التي جاءت في أربعة فصول على النحو الآتي:

 أولاً: عرار والخيام

       تناول الفصل الأول المعنون بـ"عرار والخيام" دراسة قصة عشق عرار وهيامه بالخيام، ومغامرة هذا الشاعر الكبير، وعلاقته بحكيم نيسابور التي بدأت منذ مرحلة شبابه ونعومة أظفاره؛ فقد تعرف "عرار" بدايةً على رباعيات الخيام في مسقط رأسه إربد عن طريق ترجمة وديع البستاني[19]، الصادرة عن دار المعارف في مصر سنة 1912م، وحينها قرر شاعر الأردن الكبير أن يتعلم اللغة الفارسية حتى يستطيع قراءة رباعيات الخيام في لغتها الأم، وبعد عشر سنوات من رحلة "عرار" مع الخيام واللغة الفارسية أي في عام 1922 أقدم على ترجمة 155 رباعية من رباعيات الخيام عن لغتها الأم (أي الفارسية) إلى اللغة العربية، معتمداً على كتاب رباعيات عمر الخيام لحسين دانش ورضا توفيق، الذي صدر في إسطنبول في العام المذكور[20]، ثمَّ أقدم في عام 1925 على ترجمة مجموعة أخرى من الرباعيات في رده على أمين نخله فوصلت الرباعيات التي ترجمها إلى  169 رباعية.

   ومن الجدير بالذكر أن شاعر الأردن الكبير كان يعرف عدة لغات، بالإضافة إلى لغته الأم مما أتاح له الفرصة للاطلاع على آداب وثقافات الأمم والشعوب الأخرى، ومن ثمَّ أقدم على ترجمة آثار متعددة عن اللغة الفارسية، والتركية إلى اللغة العربية، فقد عمل على نشر مختارات من ترجمته لرباعيات الخيام في مجلة "مينرفا" عام1925م، وكانت له مباحثات ومناكفات وردود فعل مع أمين نخله حول ترجمته للرباعيات، حيث كتب مقالتين تحت عنوان: الخيام ورباعياته، ونشرهما ضمن رده على ترجمة أمين نخلة في مجلة "مينرفا" في العام نفسه، وظل اهتمام شاعر الأردن الكبير بالخيام ورباعياته مستمراً حتى وفاته، ففي الأربعينيات من القرن الماضي شارك في الندوة الأدبية التي عقدت في العاصمة الأردنية عمان، وقدَّم مقالة معنونة بـ" الخيام وابن ميمون"، كما شرع بتدوين كتاب حول الخيام، لكنه لم يستطع إنهاءه، وبقيت مقدمة هذا الكتاب في متناول الأيدي، وطُبعت في كتاب "عرار والخيام" للدكتور زياد الزعبي  الصادر عام 2003م،[21] وقام الباحث الحالي بترجمتها إلى اللغة الفارسية في ملاحق أطروحته للدكتوراه.

  ثانياً: تأثير أفكار الخيام في عرار

   تناول الفصل الثاني الذي جاء معنوناً بـ" تأثير أفكار الخيام في عرار" دراسة تأثير أفكار حكيم نيسابور في "عرار"، وكيف تعرف على الآراء الفلسفية للخيام حول الجنة والنار، والثواب والعقاب، والشراب والثمالة، والوجود والفناء، والحياة والموت وفلسفته، والمتعة واللذة، واغتنام الفرص.... وكيف وقع تحت تأثير أفكار الخيام، ونظم أشعاراً خياميَّة باللغتين العربية والفارسية نتيجة هذا التأثير الذي جاء واضحاً جلياً لا تخطئه العين في ديوانه المشهور "عشيات وادي اليابس"؛ وقد عملتْ الأطروحة على دراسة هذه القضية، وأشارتْ إلى أنَّ تأثير فلسفة الخيام في "عرار" لا يمكن إنكارها، ومظاهرها واضحة بينّة في ديوانه، وحياته وسلوكه أيضاً؛ فشاعر الأردن يعترف بأنَّ فلسفته مدينة للخيام؛ فقد كان يصف نفسه بأنَّه "خيامي المشرب".[22]

      لقد تركتْ فلسفة حكيم نيسابور تأثيرها العميق في جميع مفاصل حياة شاعر الأردن؛ إذ إنَّ تأثير الخيام في "عرار" لم يكن محصوراً بالأدب والشعر؛ بلْ كان له تأثيره الواضح في سلوك وحياته وأيضاً؛ فقد كان "عرار" يرسل شعره على كتفيه تأسياً بالخيام حسب اعتقاده، كما أنَّ جنوحه نحو المتعة واللذة كان تحت تأثير أفكار الخيام؛ وهذه قضية لا يمكن إنكارها في ديوان "عشيات وادي اليابس".
       سبقت الإشارة إلى أنَّ شاعر الأردن الكبير تعرف على رباعيات الخيام في ريعان شبابه، وشيئاً فشيئاً أدت هذه المعرفة إلى وقوعه في عشق الخيام والهيام به؛ وإثر هذا العشق أضحى شاعرنا مفتوناً بحكيم نيسابور ومسحوراً به، وبقي مشغولاً طوال حياته بالترجمة والبحث حول الخيام ورباعياته حتى وافته المنية عام 1949م، وتناول هذا الفصل كذلك بحث تأثر المريد الأردني بأفكار الخيام، ودراسة جذور تشكُّل أفكار هذا الشاعر الفريد من نوعه عن طريق تأثير الخيام، ولذلك يمكن القول إنَّ أول ثمرة من ثمرات عشق "عرار" وهيامه بالخيام آتتْ أكلها عام 1922م؛ وهي الترجمة التي قام بها لرباعيات الخيام معتمداً على كتاب "رباعيات عمر الخيام" لحسين دانش ورضا توفيق الذي صدر في إسطنبول في العام نفسه؛ وحقق قصب السبق والريادة في ترجمة الرباعيات عن لغتها الأم الفارسية؛ فهي الترجمة العربية الأولى التي تمت عن اللغة الفارسية مباشرة.
   حقيقة إنَّ جهود مصطفى وهبي التل في مجال الخيام لا تنحصر في ترجمة مختارات من رباعياته فقط؛ بلْ إنَّه راح يفتش عن كل ما يتصل بالخيام ورباعياته باللغات الأربعة التي كان يتقنها، ومن ثمَّ دراسة شخصيته، وفلسفته، وترجمة رباعياته، وكتب عدة مقالات في هذا المجال، وأشار في بعضها إلى مجموعة من الأدباء والشعراء الفرس كـ: جلال الدين الرومي المشهور بمولانا في الأدب الفارسي، وأبي الحسن الخرقاني، وسعدي الشيرازي، وحافظ الشيرازي، وبدون شك فقد كانت جهود "عرار" في مجال الخيام نقطة تحول في لفت الاهتمام إلى شخصية الخيام ورباعياته في العالم العربي.

   ثالثاً: أصداء الترجمة في الخطاب النقدي العربي

    في الفصل الثالث تناولت الأطروحة بحث ودراسة أصداء ترجمة "عرار" في الخطاب النقدي في العالم العربي، واتضح أنَّ "عراراً" أوجد تحولاً كبيراً في هذا المجال منذ عام 1925م، من خلال نشر مقالتين في مجلة "مينرفا" اللبنانية، وتناول فيهما دراسة ترجمته وتقييمها، وبناءً على هذا يجب القول بأنَّ بذور حركة نقد، وتقييم ترجمة "عرار" في المحافل الثقافية والأدبية في العالم العربي وُضعت عن طريق المترجم نفسه (أي عرار) في العشرينيات من القرن الماضي، وأثمرت عن طريق مجموعة من النقاد، والباحثين، والأكاديميين، كأمثال: يعقوب العودات، وعيسى الناعوري، ويوسف بكار، وزياد الزعبي، وعبدالقادر الرباعي، وخالد الكركي، وسليمان الأزرعي، ويس أبو دومة وغيرهم.... فقد كان لـ "عرار" دور مؤثر في هذه الظاهرة الجديدة، فهو الذي أوجد نقطة تحول في هذه المسيرة، وما زالت أصداؤها واضحة حتى اليوم في حركة النقد العربي المعاصر.[23]

   لا ريب أنَّ العالم العربي تعرف على ترجمة شاعر الأردن الكبير منذ عام 1922م شيئاً فشيئاً؛ وكان أمين نخلة الملقب بشاعر الشباب أول ناقد عربي استطاع أنَّ يسجل اسمه في هذه الحركة حول ترجمة "عرار" التي انطلقت من لبنان، إلا أنَّ هذه الحركة انتقلت إلى دول عربية أخرى مثل: سوريا، وفلسطين، والكويت، ومصر، والإمارات، والبحرين، وتونس، واليمن.... وما زالت مستمرة حتى اليوم؛ فقد شارك مجموعة من النقاد المشهورين، والباحثين المعروفين والمعاصرين في العالم العربي في حركة النقد حول ترجمة "عرار"، وتحليلها، وتقييمها، وإغنائها بآرائهم، وقد عملت الأطروحة على رصد وتتبع ترجمة "عرار" وأصدائها في أرجاء العالم العربي من حيث الترتيب التاريخي، ودراسة وتحليل آراء النقاد والباحثين حول هذه الترجمة، وإخضاعها لمعايير النقد الأدبي وأصوله، حتى تظهرَ للجميع مناقبُ آرائهم ومثالبها، وصحة انتقاداتهم وسقمها حول هذه الترجمة.[24]

 رابعاً: دراسة وتحليل الترجمة

     تناول الفصل الرابع دراسة ترجمة "عرار" وتحليلها من جهات مختلفة، وقضايا متعددة شملت ترجمة "عرار" ومطابقتها مع أصلها الفارسي، وتهذيب الترجمة وتنقيحها، وتقييم آراء النقاد والباحثين، والملاحظة المهمة التي ينبغي التأكيد عليها هنا هي أنَّ الدافع من بحث ودراسة ترجمة شاعر الأردن الكبير لرباعيات الخيام لم يكن يهدف إلى التأكيد على أهمية الترجمة، وتحليلها وإبراز أهميتها، ودورها في الخطاب النقدي العربي المعاصر؛ بل التعريف بظاهرة جديدة تجلَّت في حركة النقد في العالم العربي، وفي إطار جهود "عرار" في مجال "الخياميّات"، حتى تظهر مهارة المترجم وقدرته على ترجمة الرباعيات، ويتمَّ وضع هذه الترجمة على محك اختبار النقد طبقاً لمعايير النقد الأدبي وأصوله.

        ومن الجدير بالذكر أنَّ ترجمة "عرار" لرباعيات الخيام كانت حدثاً مهماً في مسيرة ترجمة الرباعيات في العالم العربي، وقد أوجدت تطورات وتغييرات مهمة في "الظاهرة الخياميّة" في الأدب العربي المعاصر؛ فقد كان وجود ترجمة "عرار" أثراً ضرورياً، وبمثابة ملء فراغ ذهني في العالم العربي، ومن ثمَّ فإنَّ ريادة "عرار" في الترجمة عن اللغة الفارسية مباشرة وليس عن طريق لغة وسيطة حادثة مهمة في مسيرة ترجمة الرباعيات في العالم العربي، وهي الأولى من نوعها في لفت الاهتمام إلى الخيام في المحافل الثقافية والأدبية العربية، ولا ننسى أنها الترجمة التي تمت بهدف تنوير الأذهان في العالم العربي حول شخصية، وفلسفة، وأفكار، ومضامين أشهر شعراء الفارسية بامتياز في العالم كافة وليس العالم العربي فقط.

       أما الملاحظة الأخرى التي يجب الإشارة إليها هنا فهي أنَّ هذه الأطروحة كانت رائدة وفريدة من نوعها في هذا المجال، والأولى من نوعها في اللغة الفارسية؛ فحتى تاريخ مناقشة هذا الرسالة في عام 2004م لم تجرِ أية دراسة علمية في مجال الدراسات الأدبية المقارنة لأفكار الخيام وعرار، وللأسف لم يتم الاهتمام بهذا الموضوع في اللغة الفارسية، ولذلك فقد عملت هذا الأطروحة على دراسة هذا الموضوع وتحليله، ببضاعة مزجاة، وسعت إلى لفت انتباه الباحثين والدارسين الناطقين باللغة الفارسية، وحثهم وتحفيزيهم لدراسة وتحليل ترجمة "عرار" وجهوده الأخرى في مجال الدراسات الخياميَّة، على أمل يلقى هذا الموضوع من الباحثين الناطقين باللغة الفارسية والمختصين في الدراسات المقارنة اهتمامهم وعنايتهم، وبالفعل فقد وجدت هذه الدعوة بعد بضعة سنوات صدى طيباً لدى الأكاديميين والباحثين من أبناء اللغة الفارسية، فيمموا أبحاثهم ودراساتهم نحو "عرار"، وأنجزوا وما زالوا عشرات الأبحاث والدراسات في هذا الشأن؛ وهو الموضوع الذي خصص له الباحث دراسةً مستقلةً معنونةً بـ"عرار واللغة الفارسية: جدلية التأثر والتأثير"، وأحصى عشرات الأبحاث والدراسات في هذا المجال.[25]

    النتائج

انتهى البحث الحالي إلى مجموعة من النتائج يمكن إجماله فيما يلي:

1-    إن المثاقفة العربية الفارسية لا مثيل لها في اللغات الأخرى؛ فقد وصل هذا التثاقف إلى درجة أن استعارت الفارسية أبجديتها كاملة من العربية، وأخذت ما مجموعه ستون بالمئة من مفرداتها من العربية أيضاً.

2-    اهتمت الجامعات الإيرانية بالدراسات المقارنة بين العربية والفارسية، وأسست مجموعة من المجلات المحكمة، وشجعت طلابها على الاهتمام بهذا النوع من الأبحاث والدراسات، بينما غفلت الجامعات العربية عن هذه الدراسات.

3-    كانت ترجمة عرار لرباعيات الخيام التي جرت عام 1922م الترجمة العربية الأولى التي تمت عن اللغة الفارسية مباشرة.

4-    وقع عرار تحت تأثير الخيام ورباعياته وهذا ما تجلَّى واضحاً في شخصيته وأدبه.

5-    تركت ترجمة عرار لرباعيات الخيام صدى طيباً في الخطاب النقدي العربي المعاصر من خلال ما كُتب حولها من الأبحاث والدراسات.

6-    لاقى عرار وترجمته اهتماماً ملحوظاً من الناطقين باللغة الفارسية؛ فكُتبت حوله العديد من الأبحاث والدراسات، وأصبحت ترجمته تُدرس في الجامعات الإيرانية. 

Arab–Persian Acculturation: Arār and Khayyām as a Model

Prof. Dr. Bassam Ali Ahmad Al-Rababah

Faculty of Arts -Yarmouk University- Jordan

Abstract

This study aims to shed light on the relationship between the eminent Jordanian poet ʿArār (1899–1949) and the renowned Persian poet ʿUmar Khayyām (439–526 AH) and his Rubāʿiyyāt, within the framework of Arab–Persian acculturation. From an early stage, ʿArār demonstrated a marked openness to other languages and cultures—most notably the Persian language and its literature. His first encounter with Khayyām’s Rubāʿiyyāt dates back to 1912, through Wadiʿ al-Bustānī’s Arabic translation, which left a profound impression on him and sparked a deep fascination that ultimately led him to learn Persian. This engagement culminated in his production of the first Arabic translation of Khayyām’s Rubāʿiyyāt rendered directly from the original Persian in 1922.

 Arār’s engagement with Khayyām extended well beyond translation. Within the scope of his sustained interest in Khayyāmian studies, he sought to compose an independent book on Khayyām and took concrete steps toward its realization. He continued his scholarly pursuit of Khayyām and his legacy in a lecture delivered at a literary symposium held in Amman in the 1940s, during which he announced his discovery of Khayyām’s Risālat al-Kawn wa al-Taklīf (“Treatise on the Universe and Obligation”). Until his death in 1949, ʿArār remained intellectually preoccupied with Khayyām—his personality, philosophy, scientific and literary works—and with translating, revising, and refining the Rubāʿiyyāt into the four languages he mastered: Arabic, Persian, Turkish, and Kurdish.

The great Jordanian poet was deeply influenced by Khayyām’s philosophical outlook and poetic vision, composing Khayyāmian verse in both Arabic and Persian under this influence, a phenomenon clearly evident in his celebrated collection ʿAshiyyāt Wādī al-Yābis. He described himself as “Khayyāmian in temperament” and claimed to model his poetic practice on Khayyām. Throughout his life, he remained engrossed in Khayyām’s Rubāʿiyyāt, their translation, and their critical revision. Consequently, he deserves to be designated “the disciple of Khayyām” and “the Khayyām of Jordan.”

This study seeks to substantiate this designation by examining the multifaceted relationship between ʿArār and Khayyām, analyzing ʿArār’s translation of the Rubāʿiyyāt and his intellectual and poetic indebtedness to both the text and its author, tracing the reception of this translation in contemporary Arab critical discourse, and situating it within the broader context of Arab–Persian acculturation—a dynamic process that began in the pre-Islamic period and has continued to the present day in diverse forms. The study concludes that ʿArār’s translation of Khayyām’s Rubāʿiyyāt represents the first Arabic translation undertaken directly from the original Persian, and that it achieved a positive resonance within contemporary Arab critical discourse through the channels of Arab–Persian acculturation.

Keywords: Arār and Khayyām; Arab–Persian acculturation; comparative studies; influence and reception.

 




الهوامش والتعليقات

 

[1]  انظر كتاب المثاقفة العربية الفارسية: قراءات في ثقافة اللغة الفارسية، الدكتور بسام علي الربابعة، الطبعة الأولى، المجمع الثقافي المصري، القاهرة، 2021، ص 20 و21.

[2]  فصَّل الباحث الحديث عن الترجمة بين العربية والفارسية في محاضرة على منصة إريد الدولية بتاريخ 23/ 4/ 2022م انظر هذه المحاضرة على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=1zVxgLbClTc

 

[3]  للاطلاع على المزيد من الدراسات المقارنة بين العربية والفارسية انظر موقع "پرتال جامع علوم انسانی"بالفارسية التابع لمعهد العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية" في طهران على الرابط التالي:

https://ensani.ir/fa/article/field/2768/%D8%AA%D8%B7%D8%A8%DB%8C%D9%82-%D8%A7%D8%AF%D8%A8%DB%8C%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D8%A7%D8%B1%D8%B3%DB%8C-%D9%88-%D8%A7%D8%AF%D8%A8%DB%8C%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D8%B1%D8%A8?page=22

[4]  انظر بحث تأثير حکيم نيشابور بر شاعر بزرگ اردن عرار باللغة الفارسية ضمن الكتاب الصادر عن المؤتمر والمعنون بـ"مجموعه مقاله های نخستين گردهمايی پژوهشهای زبان و ادبيات فارسی"، به کوشش محمد دانشگر، چاپ اول، مرکز بين المللی تحقيقات زبان و ادبيات فارسی، طهران، 1381هـ.

[5]  دم المدائن و القصيد، هواجس عربية، الدكتور خالد الكركي، الطبعة الأولی، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2000م.

[6]  عرار والخيام، ترجمة الرباعيات ونصوص أخرى، تحقيق وتقديم الدكتور زياد الزعبي، الطبعة الأولی، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2003م.

[7]  انظر المقالتين وترجمة الرباعيات في مجلة مينرفا، السنة الثالثة، الجزء الرابع، 15 تموز 1925 ص 173- 175، والعدد العاشر، كانون الثاني 1925، ص 519- 521، وانظر كذلك: عرار شاعر الأردن، يعقوب العودات، دار القلم، بيروت، دون تاريخ، ص 85 -94، وعرار والخيام: ترجمة الرباعيات ونصوص أخرى، الدكتور زياد الزعبي صص 52- 58، ورباعيات عمر الخيام: ترجمة مصطفى وهبي التل عرار، تحقيق الدكتور يوسف بكار، الطبعة الثانية، مکتبة الرائد العلمية، عمان، 1999م، 239-248.

[8]  عرار شاعر الأردن، يعقوب العودات، ص 85 -94.

[9]  انظر رباعيات عمر الخيام، ترجمه مصطفی وهبی التل (عرار)، تقديم ومراجعة عيسی الناعوري، مکتبة الجامعة الأردنية، رقم (5511/891 م.خ).

[10]  انظر رباعيات عمر الخيام، ترجمة مصطفی وهبی التل (عرار)، تحقيق الدكتور يوسف بکار، الطبعة الثانية، مکتبة الرائد العلمية، عمان، 1999م.

[11]  انظر عرار و الخيام، ترجمة الرباعيات و نصوص أخری، تحقيق و تقديم الدكتور زياد الزعبي، ص 13.

[12]  انظر مقالة «رباعيات جديدة لعمر الخيام»، عيسى الناعوري، مجلة الأديب، عدد يوليو، (تموز) 1954م.

[13]  انظر ديوان عرار: عشيات وادي اليابس، جمع وتقديم وتحقيق الدكتور زياد الزعبي،صص 11-13 الطبعه الثانية، المؤسسة العربي للدراسات والنشر، بيروت، 1998م.

[14]  انظر  أطروحة الدكتوراة الموسومة بـ "Aprosodic Analysis of Arar's poetics" ، خلف الخريشا، مكتبة جامعة اليرموك، قسم الرسائل.

[15]  انظر التفاصيل على موقع كرسي عرار في جامعة اليرموك على الرابط التالي:

https://arar.yu.edu.jo/index.php/ar/2018-08-27-10-40-19/2018-07-24-10-39-59

[16]  انظر خبر ندوة عرار واللغة الفارسية على موقع جامعة اليرموك على الرابط التالي:

https://www.yu.edu.jo/index.php/campusnews/3834-2022-11-08-10-23-26

[17]  انظر خبر ندوة عرار في ذكراه الماسية على الرابط التالي:

https://petra.gov.jo/Include/InnerPage.jsp?ID=46842&lang=ar&name=governorate_news

[18]  انظر الخيام في الأدب الأردني المعاصر: اعتماداً على آثار الشاعر الأردني الكبير "عرار"، رسالة دكتوراه مخطوطة، قسم اللغة الفارسية، جامعة طهران، 2004م (وهي باللغة الفارسية: خيام در ادبيات معاصر اردن با تكيه بر آثار شاعر بزرگ اردن "عرار").

[19]  رباعيات عمر الخيام، ترجمة وديع البستاني، دار المعارف، القاهرة، 1912م.

[20]  رباعيات عمر خيام، حسين دانش ورضا توفيق، اقبال کتابخانه، اسطنبول، 1922م.

[21]  انظر تفاصيل الكتاب في عرار والخيام، ترجمة الرباعيات ونصوص أخری، تحقيق وتقديم الدكتور زياد الزعبي، صص 18- 29، وانظر كذلك نص الندوة في هذا المصدر، ص 30-43.

[22]  انظر الفصل الثاني من أطروحة الدكتوراه الخيام في الأدب الأردني المعاصر: اعتماداً على آثار الشاعر الأردني الكبير "عرار".

[23]  انظر الفصل الثالث من أطروحة الدكتوراه الخيام في الأدب الأردني المعاصر: اعتماداً على آثار الشاعر الأردني الكبير "عرار".

[24]  انظر الفصل الثالث من أطروحة الدكتوراه الخيام في الأدب الأردني المعاصر: اعتماداً على آثار الشاعر الأردني الكبير "عرار".

[25]  انظر بحث عرار واللغة الفارسية: جدلية التأثر والتأثير، الدكتور بسام علي الربابعة، بحث مرسل للتحكيم.

 

 

 

 

 

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

  المثاقفة العربية الفارسية: عرار والخيام أنموذجاً                 بحث منشور في الكتاب الصادر عن  المؤتمر العلمي الدولي الموسوم بـ: ا لتحديا...