الأحد، 7 ديسمبر 2014

الخطاب القومي في الأدب الفارسي المعاصر صـادق هدايت أُنموذجاً

الخطاب القومي في الأدب الفارسي المعاصر: صـادق هدايت أُنموذجاً

مجلة كلية اللغات والترجمة/جامعة الملك سعود، صص 133 -159، المجلد 26، 2014م 

    ملخص البحث

  تتناول هذه الدراسة موضوع الخطاب القومي في الأدب الفارسي المعاصر الذي ظهر منذ القرن التاسع عشر، وتجلّى في القرن العشرين- تحت وطأة النزعة القومية والسياسية - لدى مجموعة من الأدباء والمثقفين الإيرانيين، ولا سيّما زمن حكم الأسرة البهلوية: رضا البهلوي وابنه شاه إيران (1925- 1979م)؛ فمنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين ظهر في إيران أدباء ومثقفون يمثلون هذه النزعة مثل: فتح علي آخوند زاده، وآغا خان الكرماني، وأحمد كسروي، وإبراهيم بور داود، وذبيح الله بهروز، وعارف القزويني، وميرزاده عشقي، وصادق هدايت، ومهدي أخوان ثالث، ونادر نادر بور، وعبد الحسين زرين كوب؛ ولما كان صادق هدايت أشهر الأدباء الإيرانيين في القرن العشرين، وقد جاء الخطاب القومي جلياً واضحاً في أغلب آثاره، فقد اتخذت هذه الدراسة منه أُنموذجاً لبحث هذه الظاهرة ودراستها وتحليلها؛ إذ تجلّى الخطاب القومي في أغلب آثاره، وظهرت النزعة القومية والهوية الإيرانية جلية واضحة لدى هذا الأديب المأزوم، والمسكون بالقومية، والعنصرية، والشوفينية، والكره للعرب والإسلام، والمشغول باليأس والتشاؤم والكآبة، التي قادته في النهاية إلى الخاتمة المأساوية؛ ألا وهي الانتحار.

    لقد ارتبط الخطاب القومي في الأدب الفارسي المعاصر ارتباطاً وثيقاً بالنزعة القومية، والهوية الإيرانية، التي كانت سائدة في ذلك الوقت، ومن ثمّ بالخطاب الإيديولوجي الذي ركزت عليه الدولة البهلوية؛ ولكل هذا فإننا نرى أن هذا الخطاب يشكّل الوجه الآخر لظاهرة معاداة العرب في الأدب الفارسي المعاصر، ولذلك فإن الخطاب القومي في هذا الأدب يقوم على ركنين أساسين هما: مدح العرق الفارسي الآري والإعلاء من شأنه من جهة، وذمّ العرق العربي السامي والحطّ من أهميته من جهة أخرى، والغاية من ذلك تعميق النزعة القومية، والتأصيل للهوية الإيرانية من خلال التمييز العنصري، والتطهير العرقي، ونفي الآخر واحتقاره، وتشويه صورته في الأذهان، واغتيال شخصيته، وهذا ما تجلّى في آثار صادق هدايت الكاتب المتشائم موضوع هذه الدراسة.

  حياته وآثاره 
يُعدُّ صادق هدايت (1903-1951م) الكاتب الإيراني المثير للجدل أشهر الأدباء الإيرانيين في القرن العشرين؛ فقد ولد عام 1903م في طهران في أسرة برجوازية ذات جذور يهودية، وصل بعض أفرادها إلى عدة مناصب وزارية، وتلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي في مسقط رأسه، ثم سافر إلى بلجيكا وفرنسا لمتابعة دراسته، وأقام في باريس بين عامي 1925 و 1929م، حيث عشق فتاة فرنسية، إلا أن هذا العشق لم يكلل بالنجاح لمعارضة أهل الفتاة، ونتيجة لذلك أحجم هدايت عن الزواج حتى آخر عمره، وفي سنة 1929م عاد إلى طهران بعد أن فشل في عشقه ودراسته أيضاً، وأسس جماعة أدبية كانت تتبنى الحداثة والتجديد مع ثلاثة أدباء آخرين هم: بزرك علوي، ومجتبى مينوي، ومسعود فرزاد، ثم انضمت إليها مجموعة أخرى من الأدباء الإيرانيين، وأطلق على هذه الجماعة  "گروه ربعه " أي مجموعة الأربعة، التي جاءت رداً على جماعة أدبية أخرى عرفت باسم "گروه سبعه"؛ أي مجموعة السبعة.(1)  
أمضى صادق هدايت، الذي ينتهي نسبه إلى رضا قلي هدايت صاحب كتاب "مجمع الفصحا" أغلب حياته في العاصمة الإيرانية طهران متقلباً في وظائف إدارية مختلفة، إلا أنه كان مشمئزاً من الأعمال الإدارية، وانتهى به المطاف إلى أن يعمل مترجماً في معهد الفنون الجميلة، وفي عام 1936 سافر إلى الهند بناء على دعوة من صديقه الدكتور شيراز بور برتو الذي كان قنصلاً لإيران هناك، حيث تعلم اللغة الفارسية البهلوية، وترجم عنها بعض الآثار، وأقدم على طباعة روايته المشهورة "البومة العمياء" في أعداد محدودة، ثم قصد فرنسا مرة أخرى عام 1949، وبقي هنالك حتى أقدم على الانتحار عام 1951، عندما فتح صنبور الغاز لينهي حياته بعد ثمان وأربعين سنة، ولم تكن هذه المرة الأولى؛ فقد سبقتها محاولة أخرى عام 1928عندما ألقي بنفسه في نهر "مارن" الفرنسي، إلا أن محاولته هذه باءت بالفشل؛ إذ سقط على قارب فنجا من الموت بإعجوبة.(2)
وقع صادق هدايت بعد عودته من فرنسا أسيراً لسلسة من التناقضات، التي كان المجتمع الإيراني يعاني منها آنذاك، إذ كان يعاني من الشك، والريبة، والاضطراب، والوحدة، والكآبة، والنظرة السوداوية لكل ما يحيط به، ويكابد سلسلة من التناقضات التي كانت تنخر روحه، وتنهك جسمه، كما صرح بذلك في بداية روايته الرائعة "البومة العمياء"، وقد كان للمجتمع الاستبدادي الذي كان يعيش فيه، وتدخل القوى الخارجية دور في ذلك؛ فقد وقع فريسة للاستبداد السياسي والاجتماعي، ولتلك المرحلة البرزخية التي شهدتها الساحة الإيرانية من حيث الأصالة والمعاصرة، والتقليد والحداثة، والحرية والعدالة، والفقر والجهل، والواقع والرؤيا.....، فما كان منه إلا الفرار من تلك الظروف، واللجوء إلى عالمه الخاص، والغرق في الشراب والثمالة والإدمان، في محاولة منه للوصول إلى الاستقلال الفردي لشخصيته، وتخليص ذاته المتمردة على تلك الأوضاع بأي نحو كان، ومن ثم انكفأ على نفسه وارتد إلى العصر الساساني، والثقافة الزرادشتية التي أجّجت مشاعره القومية، وأصبحت الأنموذج والمثال الذي يطلبه في يقظته وخياله، وبقي طوال عمره أسيراً لتلك النزعة التي ظلت ملازمة له ما انفكت عنه، ولم يستطع تجاوز الماضي والانبهار به، بل كان يعيش فيه، بكل آماله وطموحاته، ويعدّه المرحلة الذهبية من تاريخ إيران.
كان هدايت نباتياً إذ أقبل على تناول الأعشاب منذ شبابه، كما كان مدمناً على أنواع وأقسام من المواد المخدرة، وقد غادر إيران بتقرير طبي يفيد بأنه يعاني من مرض نفسي حاد، كما كان مصاباً بنوع شديد من الكآبة، وقد أجمع النقاد المؤيدون والمعارضون له على أنه كان معادياً للإسلام وكل ما يمتّ له بصلة، بالإضافة إلى كونه عبثياً ومعادياً للدين، يستهزئ به وبرجاله، ولا يعترف بأي قيمة له؛ فالإيرانيون أنفسهم  يعترفون بأن صادق هدايت كان كاتباً قومياً من الجيل القومي الثاني، وقد استمر في نشاطاته الثقافية موازاة للجماعات القومية الرسمية والحكومية حتى آخر عمره، إذ كان "شخصية معقدة ذات مستويات متعددة.... وعبثياً وملحداً ومبتلى بالوسوسة والشك والريبة.... كما شكّلت قوميته جانباً آخر من خصوصيات شخصيته، وهي ليست منفصلة عن إلحاده وإنكاره للدين، بل إن الوجه الآخر له معاداته للدين، والمؤسسة الدينية ممثلة برجال الدين".(3)
     ترك صادق هدايت آثاراً كثيرة على الرغم من عمره القصير نسبياً؛ إذ كانت الكتابة وسيلة يلجأ إليها؛ فراراً مما كانت تعانيه روحه المتعبة والمنهكة، والمشغولة بالقضية الوطنية والنزعة القومية، ولذلك بقي طوال عمره مشغولاً بالكتابة، وطباعة آثاره سواء داخل إيران أو خارجها، حتى خلّف إنتاجاً غزيراً طغت عليه ملامح العبثية ومظاهر القومية، وما يزال بعضه مخطوطاً، كما تحدّث بعض أصدقائه عن إحراقه لبعض قصصه؛ بيد أن رواية "البومة العمياء" التي كانت أول رواية إيرانية حديثة، والتي لاقت كثيراً من الاهتمام داخل إيران وخارجها تعدُّ أكثر آثاره شهرة؛ إذ كُتب حولها العديد من المقالات والدراسات والكتب، التي تناولتها بالدراسة والبحث والتحليل من زوايا مختلفة ووجهات نظر متنوعة(4)، كما ترجمت إلى حوالي أربعين لغة من ضمنها العربية؛ فقد ترجمها المرحوم الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا في أواخر الستينيات من القرن الماضي، غير أنها لم تطبع إلا في أواخر السبعينيات مع أربع عشرة قصة من آثاره الأخرى(5)، وترجمها عمر عدس أيضاً وطبعت في ألمانيا عام 1999(6) ، وترجمها كذلك الأديب الأردني سليم الصويص عن الإنجليزية والفرنسية عام 1967، ونشرت بدعم من وزارة الثقافة الأردنية عام 2009(7) ، ومن الجدير بالذكر أن "أفضل شخصيات آثار صادق هدايت كائنات متشائمة مثل الأفراد المنحرفين والعجزة، إلى ذلك الحد الذي اشتهر فيه عنوان روايته "البومة العمياء" في الأدب الفارسي، حتى أصبح كل نوع من الحياة مقروناً بالاشمئزاز والتشاؤم يسمى بومة عمياء"(8)،  وهذا يؤكد أن يأس هدايت وتشاؤمه ذو جذور قومية؛ فقد كان دائم التحسر على الثقافة الإيرانية القديمة، والطقوس الزرادشتية، ولعل هذا ما قاده إلى النهاية المأساوية، بعد أن فشل في تحقيق آماله وطموحاته في العودة إلى المدينة الفاضلة، ومما يبرهن على ذلك أننا نجد قضية الانتحار وملامحها حاضرة في آثاره، ولم تتغير نظرته إلى الموت والحياة في كل آثاره؛ فقد شكّلت فكرة الانتحار ومدح الموت- على أنه وسيلة لخلاص الإنسان من معاناته- واحدة من أهم مضامين هدايت القصصية، إذ كان يأسه يزداد وكآبته تتعمق يوماً بعد يوم، وهذا ما قاده في النهاية إلى الجنوح نحو نوع من اليأس الفلسفي، وطرح كثير من الأسئلة المتعلقة بأحجية الموت والحياة، وهو ما دعاه إلى كتابة قصة "الموؤدة" التي سماها "مذكرات مجنون" بعد محاولته الفاشلة بالانتحار سنة 1928.(9)                           
عمل صادق هدايت على إبراز مشاعره وأحاسيسه القومية، من خلال قوالب أدبية مختلفة منها: القصة، والرواية، والمسرحية، والكتب النقدية، ودراسات النصوص الإيرانية القديمة كـ"اصفهان نصف جهان"(إصفهان نصف العالم)، و"سايه مغول"( ظل المغول)، و"تاريک خانه"( الغرفة المظلمة)، كما عمل على تعلم اللغة الفارسية البهلوية تحت وطأة الإحساس القومي، بهدف إحياء اللغة الفارسية القديمة وثقافتها، وترجم عنها آثاراً تناولت هذا الموضوع  أشهرها: كتاب"كارنامه اردشير بابكان"(تاريخ أردشير الأول)، وكتاب"گزارش گمان شکن"(شرح الشبهات)، وکتاب "یادگار جاماسب"(ذكرى جاماسب)، وکتاب "گجسته ابالیش"،(عبد الليث الملعون) وکتاب"شهرستان های ایرانشهر"(مدن إیران)، ومن الجدير بالذكر أن صادق هدايت تعلم اللغة الفرنسية أيضاً، وكتب بها بعض قصصه، ووقع تحت تأثير الأدب الفرنسي، مما حداه إلى ترجمة بعض الآثار أشهرها كتاب "المسخ" وقصة "بنات أوى والعرب" لفرانز كافكا الذي تأثر به إلى حد بعيد، وهو الموضوع الذي جلب أنظار بعض النقاد، وجعلهم يقدمون على الكتابة حول تأثير كافكا في حياة صادق هدايت وآثاره، والبحث عن التشابهات الموجودة بين هاتين الشخصيتين، وأسلوب الكتابة والمضامين المشتركة بينهما، من حيث الوحدة والاضطراب، واليأس والتشاؤم، والاشمئزاز من الأوضاع السائدة.(10)
يُعدُّ كتاب" ترانه هاى خيام" (أناشيد الخيام) من آثار هدايت المشهورة، وقد ضمّ مقدمة عن رباعيات عمر الخيام ورأيه فيها؛ إذ عدّها "ثورة الروح الآرية على الاعتقادات السامية"(11) إلاّ أن هذه العبارة تصدق على صادق هدايت نفسه وليس على الخيام، وله أيضاً  كتابات عن عمر الخيام ورباعياته، تولى ابن أخيه جمعها تحت عنوان" خيام صادق" وقد صدرت في طهران عام2003م(12)، كما ترك ثلاث مسرحيات هي: "بروين بنت ساسان"، و"مازيار"، و"أسطورة الخلق"؛ بيد أن القصة شكّلت أغلب أعماله؛ إذ كتب مجموعة كبيرة من الأعمال القصصية، وصل عددها إلى حوالي خمسين قصة، وقد جُمعت أخيراً بين دفتي كتاب، وصدرت في أوروبا بعد أن منعت من النشر داخل إيران، ومن أبرز مجموعاته القصصية: "الموؤدة" 1931م، و"ثلاث قطرات من الدم" 1932، و"السيدة علوية" 1933، و"الظل المضيء" 1934، و"الكلب الضال" 1943، ومما هو قمين بالإشارة أن بعض آثار هدايت التي أعيد طباعتها بعد الثورة في إيران عام 1979م خضعت للرقابة، وتمّ حذف بعض الأجزاء منها، كما حدث لرواية "البومة العمياء"، التي أعيد طباعتها مرات عديدة؛ في حين بقيت الطبعات السابقة تباع في السوق السوداء، ومما یجدر ذكره أيضاً أن سيرة صادق هدايت، وآثاره لم تعد تُدّرس في الجامعات الإيرانية، على الرغم من مطالبة بعض النقاد بتدريسها.(13)

    شوفينية هدايت

      لقد بدت حدّة صادق هدايت وشوفينيته واضحة في أغلب آثاره، إذ وقع تحت تأثير عواطفه ومشاعره، وهي من العيوب والمآخذ التي أثرت في أعماله، وقلّلت من قيمتها الفنية؛ إذ حمّل العرب والأتراك مسؤولية القضاء على الحضارة الفارسية وثقافتها، وعدّهم مدمرين لها؛ فالعرق الفارسي الآري من وجهة نظره عرق طاهر ومنزّه ويتمتع بالأفضلية، وقد فسد وتلوث بعد اختلاطه بالعرق العربي السامي الوضيع، وقد جاءت بعض أعماله من مثل: "ظل المغول"، و"طلب الغفران"، و"بروين بنت ساسان" مليئة بالشتائم التي لم يكن يترفع عنها، فنسب كل المثالب والمساوئ للعرب والأتراك؛ في حين أطلق كل الأوصاف الحسنة والمناقب المحببة على الإيرانيين(14)؛ غير أن الأدب يجب أن يترفع ويسمو عن مثل هذه الأشياء، ويرتقي إلى مكانة أسمى من ذلك، وإلا فإنه لن يعود أدباً، بل فحشاً وشتماً وسباً وإهانة للآخرين في سبيل التأصيل لقضية ما والتأثيل لها، أو لحاجة في نفس صاحبها، ولعل الفراغ الروحي والفكري، والحالة الذهنية والروحية التي كان صادق هدايت يعاني منها كانت من بين الأسباب التي دفعته إلى ذلك؛ إذ صرح بعض الأساتذة الإيرانيين قائلين بأن آثار صادق هدايت تشير إلى أنه كان يعاني من فراغ روحي وفكري وديني، ولم يكن لديه إطلاع  كبير على الدين الإسلامي وأفكاره الجوهرية، وكان يرى الإسلام في التصرفات السطحية لمجموعة من المسلمين المرائين، ..... ومن ثمّ فقد راح ينشده في المذهب البوذي الذي وقع تحت تأثيره، كما تجلّى في بعض آثاره من مثل: كتاب"فوائد أكل الأعشاب"، وقصة "آخر ضحكة" التي تعد دليلاً على تأثره بأفكار هذا المذهب(15)، كما يبدو الإحساس القومي، والعودة إلى المرحلة الزرادشتية واضحاً في هذه القصة.         
      لقد عرف القارئ العربي، أو لنقل النخبة الثقافية في العالم العربي صادق هدايت من خلال رواية "البومة العمياء"، إلاّ أنّ الوجه الآخر لهذا الأديب الإيراني مليء بالعنصرية، وحس الاستعلاء، والحقد والضغينة على العرب والإسلام معاً؛ فقد  كان أحد أبرز الشخصيات الإيرانية التي روّجت لقضية معاداة العرب في الأدب الفارسي المعاصر، تحت تأثير الشوفينية البغيضة والنزعة القومية والعصبية العمياء؛ وبناء على ذلك فإن الخطاب الذي يقدّمه ويصرُّ عليه هو أن العرب المتوحشين والمتعطشين للدماء هم الذين قضوا على الحضارة الفارسية وثقافتها، ومن ثمّ على العصر الذهبي للفرس، والمدينة الفاضلة في مرحلة ما قبل الإسلام، ولذلك فإنه يحمّلهم جميع أوزار وتبعات ذلك؛ إذ عمل  تحت وطأة الشوفينية والنزعة القومية – بكل ما أوتي من قوة وجهد – على تحقير شأن العرب وتشويه صورتهم، ومسخها في أذهان القراء الذين يطالعون أعماله وهي كثيرة للأسف، ونحن لا نكاد نجد أثراً واحداً من آثار هدايت يخلو من الطعن والإهانة للإسلام والعرب؟ فالصورة التي يقدّمها صادق هدايت – للقارئ الإيراني ولكل من يعرف الفارسية أو يقرأ آثاره المترجمة إلى اللغات الأخرى –عن العرب بشكل خاص، والآخر بشكل عام صورة أقل ما يمكن القول عنها أنها مشوهة وظالمة.
      كان حريّاً بهذا الأديب أن يترفع عن الإهانة والشتيمة والعنصرية، وتقديم الصورة المسيئة للعرب والإسلام؛ فهو لا يفرق بين العرب والمغول واليهود! كما أنه لا يفرق بين الإسلام والصهيونية! وأي عقل سليم يمكن أن يقبل بهذه الترّهات، ويصدق هذه الخزعبلات التي ملأ بها آثاره، فانغماسه في النزعة القومية التي سيطرت على كل أفكاره ومشاعره، والصورة السوداوية التي حجبت الرؤية أمام عينيه حالتا بينه وبين الحقيقة، والنظرة الواقعية لمجريات الأمور، فلم يعد يرى شيئاً إلا المثالب والنواقص، التي راح يضعها تحت المجهر، ويضيف إليها من خياله وبنات أفكاره، وينسج على منوالها كل ما يسيء للعرب والإسلام؛ فهو صاحب النظرة المتعسفة والظالمة للعرب والساميين، والمادحة والمبجلة للفرس والآريين، إذ إن تبني هدايت للأفكار القومية واجتراره للخطاب الشوفيني أدى به إلى الجنوح عن الجادة، والوقوع تحت تأثير الانفعالات العاطفية، والأحاسيس الشخصية، والخروج عن السياق الأدبي، وتبني سياسة التطهير العرقي والعنصري المقيت.
   لا ريب أن هذه النظرة تنطوي على شطط فادح، ونزوع عنصري أعمى، وخطاب قومي بغيض، وشوفينية مرفوضة، تذكي النعرات الطائفية، وتغذي الأحقاد الدفينة، ولا ننسى أن المجتمع الإيراني يتكون من أقليات عرقية مختلفة، وإثنيات متعددة تشكل فسيفساء جغرافية وعرقية كـ: الأتراك، والفرس، والأكراد، والعرب، واللر، والبلوش، والتركمان، والأرمن، واليهود.... ومن ثم فإن صورة العرب لدى هدايت بشكل خاص، وفي الأدب الفارسي بشكل عام صورة مشوهة وسلبية، وبناء على هذا فإن الخطاب القومي عند هذا الأديب يعجّ بروح العصبية المعادية للعرب، والنابعة من حس الاستعلاء، والوقوع تحت تأثير الخطاب القومي المتشدد، ولا بدّ من التأكيد هنا أن مفهوم صادق هدايت حول العرب، وافتراءاته المريبة حول الإسلام والحضارة الإسلامية لم يطرأ عليها أي تغيير في أي أثر من آثاره؛ كما أنه لم يتمكن من تقديم أي من الانتقادات العلمية، وهذا يؤكد زيف ادعاءاته وبطلانها، ولذلك يمكننا القول بأن الإسلام عند هدايت مرادف للعروبة، فهما وجهان لعملة واحدة، إذ إنه لم يكتف برفض الاثنين: العرب والإسلام، بل شنّ عليهما حملة شعواء، وحسب اعتقاده فإن الدين الإسلامي الذي نزل في الجزيرة العربية يتناسب مع العرب الأجلاف، ولا يناسب الفرس والعرق الآري، والشخصية الإيرانية المرهفة، ولذلك فإن معاداته للدين، وإعجابه بالغرب وحداثته، ونزعته القومية الإيرانية تشكل مفاتيح رئيسة لفهم شخصيته وتحليلها.
  النزعة القومية والأسرة البهلوية
   إذا كنا نتحدث عن الخطاب القومي في الأدب الفارسي المعاصر، وارتباطه بالنزعة القومية والهوية الإيرانية، وظاهرة معاداة العرب، فيجب علينا أن نضع هذه القضية في إطارها التاريخي؛ "فقد بلغت النزعة القومية الإيرانية أوجها زمن الشاه محمد رضا البهلوي عندما تعاظم الشعور بالنزعة القومية، التي وقعت تحت تأثير النزعة القومية الغربية ولا سيّما النازية الألمانية؛ إذ عمل شاه إيران على تغذية الحركة القومية الإيرانية، ودعمها بكل أشكال الدعم المادية والمعنوية، ولذلك كانت النزعة القومية، التي روّج لها النظام الحاكم إحدى الركائز التي انتهجها شاه إيران في استراتجيات حكمه، ومما يؤسف له حقاً أن بعض الأدباء والمثقفين الإيرانيين أغرتهم سياسة الشاه، والأموال التي كان يغدقها على من يصغي لأوامره ويبث أفكاره المسمومة، فوقعوا تحت تأثير أفكار الشاه ودعواته إلى تمتين النزعة القومية الإيرانية، وتغليب العرق الفارسي على غيره من العرقيات والأقليات الأخرى، لكل هذا عمل هؤلاء الأدباء والمثقفون – تلبية لسياسية الشاه ورغباته- على كتابة آثار أدبية مثّلت هذا الاتجاه القومي، القائم على مدح العرق الفارسي الآري والطعن في العرق العربي السامي، وكان من ضمن هذه الآثار: الرواية، والقصة، والمسرحية، والأشعار الكلاسيكية، والحديثة، بالإضافة إلى بعض المقالات والدراسات والكتب الأخرى، التي عمدت إلى بث سمومها، وتصوير العرب بأبشع الصور، وأكثرها تعسفاً واستفزازاً، وبناء على هذا فإن النتيجة الواضحة، التي يمكن أن يستخلصها المتعمق في هذه المسألة هي أن جذور النزعة القومية في الأدب الفارسي المعاصر كانت قضية سياسية، قبل أن تكون قضية ثقافية، وتنعكس بهذه الصورة في الأدب الفارسي المعاصر".(16)
       بناء على هذا فإن تأثير النزعة القومية الإيرانية كان واضحاً في المجالين السياسي والثقافي معاً؛ فقد أسس رضا بهلوي خطاباً عنصرياً معادياً ليس للعرب فحسب، بل ولكافة القوميات الإيرانية غير الفارسية كالأتراك والأكراد واللر والبلوش والتركمان، وقد ساعده في ذلك سياسيون ومثقفون شوفينيون كـ: محمود أفشار، ومحمد علي فروغي (الذي أصبح رئيساً للوزراء في عهده وعهد ابنه) وأحمد كسروي، وذبيح الله بهروز، وصادق كيا، وإبراهيم بور داود....بالإضافة إلى بعض الوجوه الأدبية المعارضة لحكم السلالة البهلوية، التي كانت هي الأخرى تشاطرهم في عنصريتهم، ومنهم المؤرخ الدكتور عبد الحسين زرين كوب، وسعيد نفيسي، ومرتضى راوندي، وصادق هدايت، كما صرح بذلك أحد النقاد في موقع "الفبا" الالكتروني.
    تناولت الباحثة والمستشرقة الأمريكية جويا بلوندل سعد هذا الموضوع في كتابها:"عرب ستيزى در ادبيات معاصر ايران"( معاداة العرب في الأدب الإيراني المعاصر)، وهو الكتاب الذي ترجمه صاحب هذا البحث عن اللغة الفارسية، وسيأخذ طريقه إلى النشر قريبا إن شاء الله، وبحثت عن جذور النزعة القومية الفارسية، ونشأتها في القرن التاسع عشر فقالت:"كان القرن التاسع عشر بداية حركة القوميين الإيرانيين الذين جذبوا اهتمام الناس للقومية الجديدة....وقد عزمت هذه القومية منذ البداية على الإعلان عن أن ظهور الإسلام هو علّة التخلف الإيراني، ونبعت من هذه القضية فكرة تقديس القديم، والنظرة الاستعلائية للتاريخ والحضارة الفارسية قبل الإسلام؛ فقد عمل فتح علي آخوند زاده (1812-1872م) والميرزا آغا خان الكرماني (1853-1896م) وكثير من المعاصرين لهما على تصوير الحضارة العظيمة للعصر الأخميني والساساني، وقدموا "العرب المتوحشين سكان البادية" على أنهم المسؤولون عن اندثار تلك الحضارات العظيمة؛ فالكرماني يعدُّ الإسلام ديناً غريباً فُرض على "الأمة الآرية العريقة" عن طريق الساميين، وفي اعتقاده أن الساميين"أمة حافية الأقدام، وآكلة للضب، وبدوٌ رحّل، وعرب متوحشون" تقع على عاتقهم مسؤولية القضاء على الحضارة الفارسية القديمة".(17)  
  وأضافت:" لقد ارتبطت ظاهرة معاداة العرب في الأدب الفارسي المعاصر بالنزعة القومية والهوية الإيرانية؛ فمنذ بدايات القرن العشرين ظهرت كلمة الله والشاه والمعشوق في الأدب الفارسي؛ بيد أن مفهوم "الأمة" ظل باهتاً، كما بقيت صورة العرب في الأدب الفارسي غريبة ومتضادة مع الشخصية الإيرانية والهوية القومية؛ ولذلك كان لا بدَّ من إبراز الهوية الإيرانية من خلال احتقار الآخرين، ولا ينحصر هذا الازدراء بالعرب وحدهم بل يشمل غيرهم أيضاً، ومن هنا فإننا نجد أن الأدباء الإيرانيين عندما كانوا يريدون انتقاد النظام الملكي (الأسرة البهلوية الحاكمة: رضا البهلوي وابنه الشاه محمد رضا) بشكل ضمني وخفي كانوا يذكرون كلمة الغرب، وعندما كانوا يريدون رفض الإسلام والمؤسسات التابعة له، كانوا  يذكرون كلمة العرب إشارة إلى عدّهم غرباء"(18)، كما وجّه ناصر بور بيرار في مقدمته لهذا الكتاب الذي ترجمته السيدة فرناز حائري إلى اللغة الفارسية، وطبع في طهران عام 2003م انتقاداً لاذعاً للمثقفين الإيرانيين في عدائهم للعرب قائلا:"يوضح لنا هذا الكتاب مدى ارتباك مثقفينا في تقديم هويتنا القومية، كما يتناول فجاجة معاداة العرب المنتشرة، والتي أصابت كل الأدب الإيراني المعاصر تقريباً حتى أفضل نماذجه بالاعتلال ونخرته حتى الأعماق".(19)  
      لقد قدّمت هذه المستشرقة دراسة بكراً في هذا الموضوع أماطت من خلالها اللثام عن الصورة المجحفة للعرب في الأدب الفارسي المعاصر، والتي كانت نتيجةً للخطاب القومي الذي أصرَّ على تشويه صورة العرب، والافتراء عليهم بأشكال متعددة وأساليب متنوعة، برزت عند هدايت الذي قدّم نقداً هدّاماً قائماً على الطعن والتشويه واغتيال شخصية الآخر، فقد كان الغرور والأنانية والتعصب التاريخي وتلفيق التهم وتزييف الحقائق ديدن هذا الأديب ومن سار في ركبه.
    كما قدّم الأستاذ الدكتور محمد رضا شفيعي كَدْكَني شهادة مقتضبة حول موقف صادق هدايت من العرب، وتأثره بالخطاب القومي فقال:"إنه مؤشر على بضع خصوصيات روحية لطبقة تقدّمي إيران في عصره، ويمكن العثور على هذه الخصائص في آثاره، وأولها اشمئزازه من الأوضاع السياسية والاجتماعية لزمانه، وربما يمكن مشاهدة هذا الاشمئزاز بشكل غير مباشر في أفضل أعماله، "بوف كور" (البومة العمياء) وسه قطره خون (ثلاث قطرات من الدم) وبعض قصصه الأخرى، ويمكن القول إن أكثر المضامين بروزاً، أو الفكرة المتسلسلة هي تصوير هذا التنفر الذي يبدو على شكل الاشمئزاز من الحياة أحياناً.... كان صادق هدايت - مثل كثير من شباب جيله - مهووساً بنوع من الوطنية المتطرفة، التي أثيرت نتيجة الأوضاع السياسية في عصره، كما كان مثل كثير من القوميين المنحرفين والمتحجرين، الذين لم يهتموا بالمسير التاريخي، والعوامل والظروف الاقتصادية والسياسية؛ فقد حاول أن يلقي بجميع الآثام على عاتق الإسلام والفتح العربي، ويمكن رؤية هذه الطريقة من التفكير عند جيله، وحتى عند بعض التقدميين الإيرانيين في هذه الأيام، إلاّ أن صادق هدايت كان من أوائل الأشخاص الذين عكسوا هذه الخصوصية في آثارهم، وبناء على هذا فإن قضية الإسلام ومعاداة صادق هدايت للعرب كانت الخصوصية الثانية التي برزت في كتاباته؛ فبدلاً من أن يشخص المسائل المتنوعة وجوانب الأمور المختلفة من حيث المبدأ، أو أن يعمل على هذا الأساس، فإنه يختلق توهمات من تلقاء نفسه".(20)                      
إنّ حس الاستعلاء والأحقاد والضغائن، التي كانت تملأ قلب صادق هدايت ضد العرب والإسلام هي التي دعته إلى الإصرار على هذا الخطاب القومي المتعصب، الذي كان يطفح بالحقد والغلّ والاشمئزاز من العرب؛ ولذلك فقد عقد العزم على مناصبتهم العداء، ومسخ صورتهم في معظم آثاره، ومن ثم فإن السادية والشوفينية التي يطرحها من خلال خطابه القومي المتشدد عملت على نفي الآخر وتشويه صورته، وضحّت به وقدّمته قرباناً على مذبح القومية، التي ينادي بها في سبيل التأكيد على هذه النزعة، والتأسيس للهوية الإيرانية المخدوشة، كما تأثرت الحركة التنويرية الإيرانية بالقومية الغربية وأفكارها، ولاسيّما الألمانية والفرنسية، والأفكار التي كانت تتبناها في القرن الماضي.

   النزعة القومية والثورة الإسلامية

       لقد أصبح من المتفق عليه عند أغلب الكتاب والنقاد أن الإسلام هو الذي تولّى مهمة مدّ الجسور بين العرب والفرس، وهو الذي صهر الحضارتين العربية والفارسية في حضارة واحدة، وإن كان هذا الشيء لا يروق لبعض الأدباء الإيرانيين القوميين أمثال هدايت، يقول الكاتب العربي الأهوازي يوسف عزيزي بني طرف:" يختلف المفكرون والمؤرخون الإيرانيون في تقييمهم للفتوحات الإسلامية لإيران، وذلك تبعا لاتجاهاتهم الفكرية، والسياسية، وانتمائهم القومي والإسلامي والشيوعي؛ إذ يصف المؤرخون والمثقفون القوميون الفرس الفتح الإسلامي بالهجوم الذي دمَّر أسس الحضارة الإيرانية التي كانت سائدة قبل الإسلام، وينعتون العرب الفاتحين بأقبح النعوت، ويتهمونهم بالقيام بأسوأ الأفعال كالقتل والتدمير والنهب والسلب والسبي....، كما أن هناك إسلاميين أكثر اعتدالاً في حكمهم على الوقائع التاريخية التي حدثت في هذا المجال، وأما الشيوعيون فيدرسون هذه الأحداث وفقاً للجدلية التاريخية، لكنهم في النهاية لا يبتعدون كثيراً عن القوميين الفرس في تقييمهم لتلك الأحداث العظيمة التي غيّرت وجه التاريخ".(21)
      تطرق السيد ناصر بور بيرار ناشر كتاب" معاداة العرب في الأدب الإيراني المعاصر" إلى موقف المثقفين الذين يصفهم باللادينيين في عهد الجمهورية الإسلامية تجاه العرب فقال: "إن اتساع دائرة العداء للعرب في عهد السلطة الراهنة- كما نشاهد مظاهرها- هي  تجسيد للاستياء السياسي، وفي الحقيقة فإن المثقف اللاديني(العلماني) الحالي يريد أن يحمّل مسؤولية تخلّفه الاجتماعي، وعدم جدارته في الساحة السياسية، والأحداث التي شهدتها البلاد خلال القرن الأخير على عاتق العرب الذين عاشوا قبل خمسة عشر قرناً، كي يبعد نفسه وببساطة عن الأسئلة الوطنية المطروحة عليه!"(22)  
       بيد أن يوسف عزيزي بني طرف يعترض على هذه المقولة، موضحاً بعض الأمور التي تتعلق بالنزعة القومية لدى المثقفين الإيرانيين، وقد خبر ذلك عن قرب فيقول:"ينبغي أن أعدّل رأي الناشر لأقول إن هناك غلواً في تعميم مقولة معاداة العرب على كل المثقفين الإيرانيين، وحتى على جميع المثقفين العلمانيين فهناك استثناء؛ والاستثناء عادة يثبت القاعدة، إذ يمكنني الإدعاء – كعضو عربي في اتحادي الكتّاب والصحفيين الإيرانيين- بأن نحو ثمانين بالمئة من الكتّاب والمؤرخين والروائيين والصحفيين ملوثون وبنسب مختلفة بعدوى الاستعلاء القومي، ومظهره الرئيسي "معاداة العرب"؛ في حين لم يرد في كتابات عشرين بالمئة منهم أي شيء في هذا المجال؛أي أنهم محايدون أو بعيدون عن الشوفينية المتفشية بين زملائهم".(23)
      على أي حال لقد برز الخطاب القومي في الأدب الفارسي المعاصر عند أغلب الكتّاب والأدباء والمثقفين الإيرانيين وليس جميعهم، إذ إن معظم المفكرين والأدباء الإيرانيين قد عملوا على إحياء هذه النزعة في عصر اليقظة القومية، التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونضجت في عهد الثورة الدستورية (1906-1908)، وأخذت منحاً عنصرياً في عهد الأسرة البهلوية (1925-1979م)، وإذا كانت قد "ظهرت في الساحة الثقافية الإيرانية شخصيات ورموز أدبية وثقافية دعت إلى القطيعة مع الثقافة العربية، باعتبارها ثقافة دخيلة لم تقدم أية إضافة مهمة لمسار الآداب والفنون الإيرانية، وإعادة الاعتبار للتاريخ والثقافة الإيرانية في عهد السلالات الملكية قبل "الغزو العربي" لبلاد فارس، وقد أخذت هذه الأصوات مكانة كبيرة في السجال الفكري الذي شهدته إيران مع اندلاع الثورة الدستورية عام 1906م، وإبان الاحتلال البريطاني- الروسي لإيران أثناء الحرب العالمية الثانية"(24)، فإننا نجد بعض الشخصيات التي ظهرت داخل إيران في السنوات الماضية -خاصة زمن حكومة السيد محمد خاتمي الإصلاحية- وعملت على كشف تناقضات الخطاب القومي الفارسي، وازدواجيته، وتزييفه للحقائق التاريخية، من خلال دراسات نقدية جادة وعميقة، أو من خلال سلسلة من الكتب النقدية، وهذا ما أقدم عليه ناصر بور بيرار في سلسلة كتبه المشهورة" اثنا عشر قرناً من الصمت" والتي هُدّد بالقتل بسببها، وما زال تحت الإقامة الجبرية حتى الآن، ومن الجدير بالذكر أن إيران شهدت في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية وما تزال تصاعداً في المشاعر القومية على مستويات متعددة: بين الفرس والأتراك من جهة، وبين الفرس والعرب من جهة أخرى، وبين القوميات غير الفارسية من جهة أخرى، وهذا ما يدور على الألسنة وفي المجالس الخاصة.
   رواية البومة العمياء
برز الخطاب القومي الذي يشكّل الوجه الآخر لمعاداة العرب لدى هدايت واضحاً وجلياً في رواية "البومة العمياء" التي تعدّ أشهر أعماله الأدبية، ولهذا جاءت كل الصور التي قدّمها عن العرب والإسلام سلبية واستهزائية وتهكمية، وعكست نظرته القومية الحادة؛ إذ إنه لا ينظر إلى الأشياء إلا من منظار ضيق ومعيار أعوج، ألا وهو القومية البغيضة، بل إنّ بعض هذه الصور الصادمة احتوت على الطعن والشتيمة، كما يتضح من بداية هذه الرواية التي يصرح فيها بقوله:"في الصباح الباكر من كل يوم كانوا يحضرون حصانين أسودين نحيفين أمام الدكان، وقد عُلق على ظهرهما خراف مذبوحة، والحصانان مصابان بالسل، ويسعلان بشدة، وتنتهي أيديهما النحيفة بالظلف، وكأنهما يدا سارق قُطعت – طبقاً لقانون وحشي – وأُلقي بهما في زيت حار"(25)، فمن الواضح أنه يشير في هذا النص إلى الشريعة الإسلامية، التي نصّت على قطع يد السارق، كما جاء في القرآن الكريم:""والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(26)، وهذا الاستهزاء بالشريعة الإسلامية وأحكامها، ووصفه لهذا الحكم بـ"القانون الوحشي" لا يقلّ عمّا ارتكبه سلمان رشدي في كتابه"الآيات الشيطانية"(27)، وهذا ما صرح به بعض النقاد الإیرانیین الذين ذهبوا إلى أن صادق هدايت بث سمومه المعادية للدين في آثاره المتعددة كـ"البومة العمياء" و"أسطورة الخلق" المليئة بالإهانة للذات الإلهية، والملائكة والخلق؛ إذ "يمكن الإدعاء بجرأة أن هذا الأثر لا يقلُّ ّعن "الآيات الشيطانية" لسلمان رشدي، فقد كان هدايت معادياً للإسلام.... وأشار أصدقاؤه في مواطن كثيرة إلى وجود هذه الخصوصية لديه، وصرحوا بحقده وضغينته المتجذرة للإسلام، ومن ذلك ما كتبه صادق جوبك الأديب الإيراني المشهور الذي قال:عرفتُ صادق هدايت منذ عام 1936م بعد عودته من الهند، وقد كان العدو الأول للدين الإسلامي، وكانت كل اعتقاداته مبنية على أن كل المصائب التي لحقت بنا جاءت من خلال حملة العرب والدين الإسلامي، فقد كان في الحقيقة ملحداً بكل معنى الكلمة......".(28)
   يستمر صادق هدايت في هذه الرواية- التي شكلت بداية جديدة للرواية الفارسية المعاصرة- في تماديه بالاستهزاء بالمشاعر الإسلامية وعلى رأسها الأذان، فها هو يصف صوت المؤذن بطريقة استفزازية تثير مشاعر كل المسلمين، ولا يمكن لعاقل أن يقبل هذه الأوصاف القادحة في الأذان المقدس؛ فلنتأمل في هذا الوصف الذي يدل على الحقد الدفين الذي يملأ قلب هدايت؛ فها هو يصف صوت المؤذن قائلاً:" يبدو كصوت امرأة– لعلها لكاتة(29)- كانت تعاني آلام المخاض، في حين كان يسمع صوت أنين كلب من خلال أذان الصبح".(30)
   وهكذا جاء أيضاً تصوير بائع الخردوات وهو يرتل القرآن الكريم:"كان يجلس دائماً وهو يرتدي الشال الوسخ والعباءة الششترية المفتوحة القبة، وقد بدا من خلالها شعر صدره الأشيب، وكانت رموشه المحروقة تظهر سماجة تصرفاته ووقاحته، في حين علق طلسماً (تعويذة) بعضده... كان يقرأ القرآن ليالي الجمع فقط،... وقد بدت أسنانه الصفراء المتداعية من بين شدقيه.... أمس الأول أو قبله بيوم عندما صَرختُ وجاءت زوجتي إلى باب غرفتي، رأيت بأم عيني آثار الأسنان الصفراء القذرة التي نخرها السوس على شفاه زوجتي، إنها أسنان العجوز التي كانت الآيات العربية تخرج من بين ثلماتها، نعم رأيت على وجه زوجتي أثر السنّين الأصفرين المتسوسين، والذي كانت الآيات العربية تخرج من بين ثلماتها"(31)، ولا ريب أن هذا التصوير يثير التعجب والاشمئزاز، وبالطبع فإن الهدف من هذه الطريقة، التي جاءت واصفة لهذا الرجل الذي يقرأ الآيات الكريمة، ومن ثمّ اقترافه هذه الآثام الطعن في القرآن الكريم، وتنفير الناس منه من خلال نعته بهذه الصفات وعلى هذه الشاكلة، ومن ثم فإن النتيجة التي نخلص إليها أن رواية"البومة العمياء تعّرف الإسلام على أنه سبب للتنفر ومصدر للخوف، فـ "البومة العمياء" قصة رعب من الأجنبي، وفزع من العرب الدخلاء".(32)
   لا شك أن كل هذه التصاوير جاءت بسبب طغيان الحس القومي على هدايت، ووقوعه تحت وطأة المشاعر القومية العمياء، التي دعت صاحبها إلى نفي الآخر بطرق متعددة وأساليب متنوعة من ناحية، ومدح العرق الفارسي وتمجيده من ناحية أخرى؛ "ففي مقابل هذا الفزع من الأجنبي ظهرت القومية الإيرانية، إذْ إنَّ "البومة العمياء" لا تعرض للأجنبي فقط؛ بل إنها تعمل على تمجيد الإيراني والفارسي والذاتي، مقابل العرب والأتراك والغرباء، وعلى الرغم من أن مكان أحداث القصة هو مدينة "ري"(33)- إحدى أقدم المدن الإيرانية – فإن الراوي في حيرة أهو من "نيسابور" أم "بلخ" أو "بنارس"، إلاّ أنه أكثر ميلاً إلى الشرق والهند الأرض المليئة بالمعاني والآداب والتقاليد القديمة.... وهكذا فإن هوية المدن الإيرانية والهندية لم تتغير، وأم الراوي الناطقة بالفارسية من السلالة الهندوأروبية الخالصة، وهي راقصة معبد "بوكام داسي"، وهذا دليل على العلاقة بين الأمتين الآريتين الإيرانية والهندية؛ إذْ إنَّ الهوية الهندية لأم الراوي تبقى ثابتة في كل القصة، غير أن الهوية الإيرانية تضيع وتبهت؛ في حين تبرز شخصية بائع الخردوات – التي هي شخصية أجنبية ومتقلبة في الراوي والأب والعم والصهر، ومثل هذه التغييرات في الألوان أدرجت عمداً وعن قصد"(34)، وبناءً على هذا يتضح أن صادق هدايت قد عمل على تشويه صورة الآخر في أشهر أعماله "البومة العمياء"، وبالطبع فإن هذا كان انعكاساً لنظرته القومية المفرطة، ووقوعه تحت وطأة هذه المشاعر، ومما يجدر التنبيه إليه هنا أن كتباً ومقالات متعددة قد كتبت باللغة الفارسية حول رواية "البومة العمياء" وعلاقتها بالنظرة القومية، ومنها الكتاب الذي ألفه الدكتور ماشاء الله أجوداني والذي جاء معنوناً بـ "هدايت والبومة العمياء والنظرة القومية"؛ فقد عمد إلى محاولة تفسير هذه الرواية تفسيراً نفسياً قائماً على أن "البومة العمياء" رمز لإيران في مرحلة ما قبل الإسلام، وقد استعان المؤلف في تفسيره هذا بالاستفادة من آثار هدايت الأخرى كـ "بروين بنت ساسان"، و"إصفهان نصف العالم"، و"طلب الغفران"، و"السيدة علوية"، و"البعثة الإسلامية إلى البلاد الإفرنجية"، التي تطفح جميعها بالكره والاشمئزاز من الدين والعرق السامي والثقافة العربية، باعتبارها ثقافة جاهلية قادمة من حياة الصحراء الشاقة؛ في حين جاءت ميوله الشديدة نحو القومية واضحة، حيث يبدو مفتوناً بالثقافة الزرادشتية وكل ما يمتُّ إليها بصلة، وما تحسره على عظمة تاريخ إيران في مرحلة ما قبل الإسلام إلا انعكاس لذلك.(35)
    البعثةالإسلامية إلى البلاد الإفرنجية
    يُعدُّ كتاب "كاروان سلام"( قافلة الإسلام) أو"البعثة الإسلامية إلى البلاد الإفرنجية"(36)، الذي كتب بين عامي1933-1934م أول كتاب معاد للإسلام ألفه صادق هدايت، واستهزأ فيه بالإسلام والمسلمين، ووجّه من خلاله انتقاداً لاذعاً إلى رجال الدين، وقد مُنع هذا الكتاب من النشر في إيران حتى الآن، ولا شك أن شعور هدايت بالتيه، والضياع، وخوفه من الإسلام هو الذي دفع به إلى هذه الإساءة، وهذا السلوك المعادي للعرب والإسلام على حد سواء، ومن ثمّ تشويه صورتيهما في سبيل التأصيل للهوية الإيرانية والثقافة الفارسية؛ وإذا كانت الدولة الصفوية قد عزفت على وتر المذهب الديني لأغراض سياسية، وغذتّه بأشكال الدعم كافة، كما هو واضح في كتاب الفيلسوف الإيراني المشهور علي شريعتي "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"، الذي يؤكد فيه أن الهدف الأساسي من التشيع الصفوي كان قومياً، وليس دينياً بمعنى توظيف الدين في خدمة السياسة(37)، فإن الدولة البهلوية قد عزفت على الخطاب القومي لأغراض سياسية أيضاً، وهو الموضوع الذي تجلّى في الأدب الفارسي المعاصر.
     يشير الكاتب الإيراني بهرام جوبينه في مقدمته، التي قدّم بها الطبعة الالكترونية الخاصة بهذا الكتاب إلى أن هذه القصة الفكاهية القصيرة طبعت بدايةً في فرنسا، ثم أعيد طباعتها مرات عديدة في أمريكا وسائر الدول الأوروبية، ويؤكد أنها كانت قد طبعت قبل الثورة في إيران في نسخ محدودة من كتاب تحت عنوان"نوشته هايى از صادق هدايت"( كتابات لصادق هدايت)(38)، ويضيف قبل عشرين سنة من طباعة هذا الكتاب عندما كان الإيرانيون مفتونين بنظام الملالي، لم يكونوا يعلمون أن بلادهم سوف تقع ألعوبة بأيدي ذوي العقول الفارغة والرجعية، وهم الذين يريدون تطبيق الأحكام الإسلامية في القرن الحادي والعشرين،.... إن ما اتخذه هدايت وسيلة للفكاهة والتهكم قبل نصف قرن قد جرّبه الإيرانيون بأنفسهم لاحقاً...؛ إذ لم يكن يخطر في باله أن الملالي الذين صورهم في كتابه هذا سوف يصلون في يوم من الأيام إلى السلطة ويحكمون إيران، غير أنه قد استهزأ بآمال هؤلاء في فرض إسلامية العالم من خلال هذه البعثة الإسلامية إلى البلاد الإفرنجية، ولو وصل هدايت إلى هذه الفرضية بناء على معرفته بالمجتمع الإيراني الخرافي والتقليدي، وهو أن أعضاء "البعثة الإسلامية" ربما يصلون إلى السلطة في إيران لقال للإيرانيين إن هذه الفكاهة سوف تجعل مصيرهم أسود.(39)
   يتكّون كتاب "البعثة الإسلامية إلى البلاد الإفرنجية" من ثلاث رسائل كتبها مراسل مجلة"المنجلاب" السودانية الذي رافق "البعثة الإسلامية" إلى أوروبا، التي تتشكل من "السيد تاج المتکلمین" رئيساً، و"السيد عندلیب الإسلام" نائباً للرئيس، و"السيد سُکّان الشریعة" عضواً ومحاسباً، و"السيد سنّة الأقطاب" كاتباً متشدداً، و"السيد الجرجیس یافث بن إسحق الیسوعي" مراسل ومترجم مجلة "المنجلاب"، وهو راوي هذه القصة.... ففي الرسالة الأولى يغادر هؤلاء الأشخاص من البلاد العربية المباركة(حسب القصة) بناءً على أنهم ممثلو شعوب الأمم الإسلامية من أجل نشر الدين الحنيف في الغرب، مع ممثلين آخرين من دول متعددة، ويبدأ صادق هدايت بالهمز واللمز والطعن والاستهزاء بالحديث عن الأحكام الفقهية الإسلامية كتحريم الخمرة، وتعدد الزوجات، والختان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخراج، والجزية، وسائر المسائل الفقهية كالحج، والطهارة، والغسل، والمبطلات، والواجبات، ويتحدّث بعضهم عمّا ينوون القيام به في الغرب كفرض تعليم اللغة العربية الفصحى على الكفار، وتخريب أبنيتهم ومساكنهم ومدارسهم ومتاحفهم ودور عباداتهم، وحرق مكتباتهم، وبناء المساجد والتكايا، وفرض النذور والحج والزكاة، والعباءة العربية على الرجال، واللباس الإسلامي على النساء، وتخريب آلات الموسيقى والغناء، واستبدالها بالوعظ، والحديث عن منكر ونكير، والقضاء والقدر، وفلسفة الإسلام والجنة والنار وأنواع الأدعية....
     تصور الرسالة الثانية مغادرة أعضاء هذه البعثة البلاد العربية متجهين إلى برلين، مستقلين القطار حيث كان بعضهم يردد آيات وسوراً كريمة، وتجري مغامرات عاطفية لبعضهم أثناء الرحلة، وفي النهاية يصلون إلى برلين، ويتوجهون إلى فندق "هرمس" حيث يحذرون بعضهم من تناول المسكرات وأكل المحرمات، وفي يوم من الأيام يذهبون للتنزه في نواحي المدينة وشرب الشاي، فيرون النساء وهن كاشفات الصدور والسيقان، فيبادرون إلى تغطية وجوههم بأطراف عباءاتهم،.... ويأتي شخص إليهم يدعوهم للاشتراك في فيلم، ويشتهر أمرهم وتذيع أخبارهم في المدينة، فيدعون إلى حديقة الحيوانات، ولكنهم يقعون فريسة للآخرين حيث تمّ استغفالهم والإيقاع بهم عن طريق التمثيل بالأزياء العربية مقابل ثمن بخس؛ فقد أصبحوا مهرجين في حدائق برلين وشوارعها؟! واشتهر أمرهم بدلاً من الدعوة إلى الإسلام، بينما يفرّ أحدهم بما كان معه من المال، في حين يُقبِل أعضاء البعثة الآخرون على الرقص والغناء والعربدة والفجور....؟!
     ينتقل مراسل المجلة في الرسالة الثالثة- بعد مضي سنتين ونصف، وتفرق أعضاء البعثة في برلين- إلى باريس باحثاً عن الزملاء الآخرين، وفي النهاية يعثر على بعضهم في حالة يرثى لها، وقد غيروا أسماءهم إلى أسماء غربية، ولم يهدوا شخصاً واحداً إلى الإسلام، وتغيرت طباعهم، وغرقوا في الشهوات والملذات والمتع والقمار، بل إن بعضهم أصبح "قوادا"ً، وافتتح آخر حانة واستحلّ المحرمات وأفتى بها.... 
     يلاحظ القارئ لهذا الأثر من آثار صادق هدايت أنه هاجم الإسلام والمسلمين هجوماً منظماً ومرتباً بدايةً من اسم هذه القصة وعنوانها، وأسماء الشخصيات والأبطال الذين اختارهم لقصته: "تاج المتکلمین"، و"عندلیب الإسلام"، "وسُکّان الشریعة"، و"سنة الأقطاب"، كما أكثر من استعمال الكلمات والتعابير العربية في ثنايا هذه القصة، وأساء إلى بعض الرموز الإسلامية كالخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه(40)، ومن الجدير بالذكر أن صادق هدايت حاول نشر هذه القصة باسم مستعار هو "راستكوسکی" لكن محاولاته باءت بالفشل(41)، وقد فعل كل هذا بغرض تشويه صورة العرب والإسلام، وتنفير الناس منهما، وجعلهما أضحوكة تلوكها الألسنة، ويتداولها الناس فيما بينهم، وقد طغى عليه الإحساس القومي وأسره أيّما أسر.
    قصة الكلب الضال
     تعدُّّ قصة "الكلب الضال" من قصص صادق هدايت المشهورة والرمزية، التي حظيت بالرعاية والاهتمام من قبل المترجمين العرب؛ فقد ترجمها بداية المترجم العراقي علي اللقماني تحت عنوان "الكلب السائب"، وطبعت في العراق سنة 1956م، ثم ترجمها الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا تحت عنوان "الكلب الشريد"، وطبعت في مصر أواخر السبعينيات مع البومة العمياء، ثم ترجمها الدكتور عارف الزغول ضمن مقالة تحليلية نشرها في مجلة كلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر تحت عنوان "دراسة وتحليل قصة الكلب الضال" عام 2009م، على أي حال أعتقد أن قصة الكلب الضال قصة رمزية يعبّر من خلالها صادق هدايت عن غربته ومعاناته، وعدم تأقلمه وانسجامه مع المجتمع، وفيها يصور آلامه التي تعرض لها بعد عودته إلى طهران بعد أربع سنوات قضاها في باريس، ومن ثم نفوره واشمئزازه من الأوضاع التي كانت سائدة في ذلك الوقت، إذ إن الكلب يتعرض لأصناف العذاب والمعاناة والإيذاء، وكأنه يعبّر عن إنسان لفضه المجتمع، ومن ثم فإن هذه القصة رمز لحياة إنسان غريب تائه.....إنه صادق هدايت.(42)
      إنّ البحث عن الهوية المفقودة في قصة "الكلب الضال" واضح وجلي؛ فهو كلب من عرق أصيل، إلا أنه يضيع هويته، ويفقد أصالته، عندما يبحث عن إرضاء رغباته الجنسية، وهذا الكلب يحكي قصة إنسان غريب عن مجتمع وضيع، إذ إنه يتعرض لأصناف من التعذيب الجسمي والروحي، من أجل المحافظة على هذه الأصالة، أو أن يسلك طريق الاستجداء والتملق من أجل أن يبقى على قيد الحياة، وينتهي به المطاف إلى تراجيديا مأساوية، بعد أن يقتله التعب والعطش، وهو يلهث باحثاً عن صاحبه...إنها عبثية الحياة، التي يريد صادق هدايت تصويرها والتعبير عنها في هذه القصة. (43)
      تتحدّث قصة"الكلب الضال" عن كلب أسكتلندي مرفّه اسمه "بات" يضيعه صاحبه الأجنبي في إيران، حيث تجري له مغامرات، ويتعرض للتعذيب والتنكيل من قبل الجميع، وبالطبع من وجهة نظر هدايت؛ فقد جاء في هذا القصة ما نصه "كان صبي المخبز يعمل على ضرب هذا الكلب بقسوة أمام مخبزه، كما كان يتعرض للرجم بالحجارة أمام الجزار، وحينما كان يأوي إلى ظل سيارة ما ليستريح من عنائه، كانت ركلات حذاء السائق المرصع بالمسامير في انتظاره، وعندما كان الجميع يتعبون من إيذائه وتعذيبه، كان الصبي بائع الرز بالحليب ينهال عليه ضرباً بالحجارة، فيختلط عواء الكلب بقهقهات الصبي الشامت الذي كان يشتمه بقوله:"أيها الكلب الملعون"! ويبدو أن إيذاء الصبّي للكلب كان يروق للآخرين فيشجعونه من طرف خفّي، وبكل لؤم وخبث بضحكاتهم وقهقهاتهم؛ فهم يضربون هذا الكلب مرضاة لله تعالى؛ إذ إن إيذاءه من وجهة نظرهم كان أمراً طبيعياً للغاية؛ فهو كلب نجس وملعون في الدين، وله سبعون روحاً، وتعذيبه مدعاة للمغفرة والثواب".(44)
     إنّ الخطاب القومي الذي وقع صادق هدايت تحت وطأته سوّل له أن يدّعي بأن الكلب يُؤذى، ويُعذب في هذه القصة بناءً على توصية الإسلام، ومعاداة هدايت للدين واشمئزازه من رجاله حرفته وأخرجته عن جادة الصواب، وجعلته يحرّف الأحكام الدينية والفقهية في الدين الإسلامي، وكل هذا يكمن في قوميته المفرطة ونظرته الضيقة، فهو يعدّ الطقوس الإسلامية أجنبية، ويعتبرها نتيجة للانتصار الشيطاني، والشرير للعرب على القيم والمثل الإيرانية، فالجميع يضربون هذا الكلب الذي له سبعون روحاً طلباً للثواب والمغفرة؟! ويعذبونه إرضاء لله لأنه نجس وملعون دينياً؛ وهل يُعقل ذلك، وقد حثّ ديننا الإسلامي الحنيف على الرفق بالحيوان في قصص مشهورة جاءت في الأحاديث النبوية الشريفة، نذكر منها قصة الرجل الذي دخل الجنة بسبب كلب وجده يلهث في وسط الصحراء، فنزل إلى البئر وملأ خفيه بالماء ثم سقاه، فكان هذا الفعل مدعاة لدخوله الجنة، وقصة المرأة التي دخلت النار بسبب هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
    مسرحية مازيار
صدرت الطبعة الأولى من كتاب "مازيار"(45)الذي يتكون من قسمين في طهران عام 1933م، وجاء القسم الأول عبارة عن مقدمة تاريخية كتبها صادق هدايت، وصديقه المقرب مجتبى مينوي، وتحدّثا فيها عن شخصية مازيار بن قارن التاريخية، التي حكمت منطقة طبرستان شمال إيران وثارت على الخليفة، أما القسم الثاني فكان تراجيديا تاريخية كتبها صادق هدايت، وتناول فيها شخصية "مازيار"، والمصير الذي آلت إليه إثر تمردها، وثورتها على الخليفة سنة 224 للهجرة؛ ولذلك فقد اختار هدايت هذه الشخصية التاريخية، ليعبر من خلالها عن النزعة القومية التي قضّت مضجعه، وأرقته وشغلته ليل نهار، حتى عاد غريباً على المجتمع الذي عاش فيه، وانتهى به المطاف إلى النهاية المأساوية.
      اشتملت المقدمة التي كتبها كل من صادق هدايت ومجتبى مينوي على إشارة إلى المصادر والمراجع، التي اعتمدا عليها في بيان الأحداث والظروف التي تعرضت لها هذه الشخصية، ومنها: تاريخ الطبري، وفتوح البلدان للبلاذري، ومروج الذهب للمسعودي، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، وسياست نامه لنظام الملك السلجوقي(46)، ومن المؤكد أن مجتبى مينوي وصادق هدايت عمدا إلى ذكر هذه المصادر في المقدمة؛ للتأكيد على الجانب التاريخي لهذه الشخصية وتعزيز مصداقيتها لدى القارئ.
إنّ مسرحية "مازيار" تشكّل أحد الآثار التي تركها صادق هدايت، وتجلّت فيها النزعة القومية المفرطة بشكل واضح، كما هو الحال أيضاً في مسرحية "بروين بنت ساسان"؛ فقد ذهب هدايت في هذا الأثر إلى أن الإيرانيين الآريين متفوقون عرقياً، ومقدّمون على العرب الساميين الذين استهزأ بهم، وعدّهم حقراء وقذرين، وشنّ عليهم حملة شعواء، ووصفهم بأبشع الصور، ووجّه إليهم الإهانة والشتائم المختلفة، ومن تلك الصفات التي أطلقها عليهم: العرب الحقراء أكلة الضب، واللصوص، وقطاع الطرق المتوحشون، والقذرون حفاة الأقدام، وسكّان الصحراء، وأكلة الفئران، والمتسولون رعاة الأبل....(47)؛ في حين أن الإيرانيين منزهون ومطهرون، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى الفكرة التي تكررت في آثار هدايت، وهي أن العصر الذهبي لإيران يكمن في مرحلة ما قبل الإسلام، والمرحلة الزرادشتية، التي كانت تشكّل المدينة الفاضلة التي كان يعيش فيها هدايت عبر تصوراته المزعومة وتوهماته الخاطئة، ومن ثم يمكننا القول بكل جرأة: إنّ الخطاب القومي كان الشغل الشاغل لصادق هدايت، حتى شكّل المضمون الأول الذي تكرر في أغلب آثاره بصور مختلفة وأشكال متعددة، أما المضمون الثاني فكان النزعة التشاؤمية التي طغت على أعماله، والتي قادته في النهاية إلى الانتحار؟!
"إنّ النزعة القومية - كما يقول أحد النقاد الإيرانيين - هي الخصوصية التي تطغى على أغلب آثار هدايت وكتاباته؛ إذْ إنَّ الصور والأوصاف، وحتى الشخصيات التي يقدّمها في آثاره غالباً ما تتميز بالصبغة القومية"(48)، وهذا ما تجلّى في مسرحية "مازيار"، وإذا ما أردنا أن نفهم ماهية النزعة القومية، وطبيعة الشوفينية عند صادق هدايت، فيجب علينا أن ندرك النزعة التشاؤمية والاشمئزاز من الأوضاع التي كانت سائدة في عصره، والتي كان يتجرّعها ويعاني الأمرين منها، ولذلك حاول الفرار من هذه الأوضاع، التي كان يعيشها عن طريق اللجوء إلى المدينة الفاضلة والماضي الجميل؛ أي مرحلة ما قبل الإسلام التي عدّها العصر الذهبي لإيران، وكان هذا نوعاً من الاعتراض على الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك، وهروباً من الواقع المرير إلى الماضي الجميل، وهو نوع من التعويض النفسي.
    لم يكتفِ صادق هدايت بمهاجمة العرب، تحت وطأة النزعة القومية، والإحساس بالهوية المهزومة أمام الفتح الإسلامي، والشوفينية التي عملت على تحميل العرب أوزار ما آلت إليه الأوضاع في إيران؛ بل إنه هاجم العثمانيين والمغول واليهود أيضاً، وعدّهم سبباً من أسباب الاضطرابات الاجتماعية والقومية في إيران، وهذا ما تجلى في معظم آثاره ولا سيّما مسرحية "مازيار"، ومسرحية "بروين بنت ساسان"، وكتاب "حملة المغول"، ورواية "البومة العمياء"، ولم يكن هدايت مشمئزاً من العرب فقط؛ بل إنه كان مشمئزاً من الإسلام أيضاً، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنه كان يعتقد بأن الإسلام هو المسؤول عن هذا التقصير، وهذه الحالة التي انتهت إليها إيران بعد الفتح الإسلامي، ومن ثم فإن اندثار الحضارة الفارسية التليدة مرتبط بالعرب الذين قضوا عليها، وعلى الدين الذي كان سائداً في تلك المرحلة، وهذا ما جعل هدايت يُقدم على العودة إلى هذه المرحلة واللجوء إليها، وعدّها المرحلة الذهبية، ومدح المذهب الزرادشتي والإعلاء من شأنه، باعتباره ديناً إيرانياً خالصاً، وليس ديناً غريباً قادماً من الصحراء العربية.
     تتكّون مسرحية "مازيار" من ثلاثة أقسام، وكلها تزخر بالطعن والإهانة والشتائم، والأوصاف البذيئة التي أطلقها صادق هدايت على العرب، وذنبهم الوحيد والجريرة التي ارتكبوها أنهم أدخلوا الإسلام إلى إيران، ودعوا الإيرانيين إلى الدين الإسلامي الحنيف، ووصف العرب بالقتلة الذين يقتلون، ويسبون، ويرتكبون المجازر، والآثام ويسفكون الدماء؛ إذ إنه يصور الجيش العربي، وهو يدخل إلى طبرستان، ويثير الفزع والرعب في قلوب الأهالي وأتباع "مازيار"، ويضيف: "لقد فسد هؤلاء الناس من خلال اختلاطهم مع العرب، وقد تمّ القضاء على أفكارهم وأرواحهم وأذواقهم ونهضتهم بسب قذارة العرب...."(50)، ويقول إن هؤلاء اليهود والمسلمين أكثر قذارة من العرب فلنقض عليهم.(51)  
    وفي منظر آخر من المسرحية يصور لنا صادق هدايت فرار "شهرناز" زوجة "مازيار" من أيدي العرب، عندما هاجموا بيتها فألقت بنفسها بالبئر حتى تنجو؛ في حين قتلوا والدها وأمّها أمام عيونها، وفي النهاية تفرّ إلى الغابة، وتضطر إلى أكل الأعشاب لمدة يومين، حتى تبقى على قيد الحياة(51)؛ بل إن امرأة أخرى اضطرت إلى خنق طفلها بيدها، حتى لا يسمع العرب بكاءه ويُفتضح أمرها، بينما كانوا يحتفلون بانتصارهم ويشعلون النار، ويجبرون الفتيات الفارسيات اللواتي وقعن في أسرهم على الرقص وهم يقهقهون.(52)   
      يتحدث صادق هدايت على لسان "مازيار" قائلا:"....إنه لا يعرف العرب حتى الآن، ولا يعرف حقارتهم.... إن حقد هؤلا العرب وضغينتهم كحقد الجمل؛ فهم الذين عملوا على القضاء على الآثار الإيرانية وفكر الإيرانيين ووجودهم، وهم الذين عجزوا عن تدمير "قصر تيسفون"، وعندما خرّبوا هذا القصر فقد كان ذلك ضرراً لهم؛ إذ إنهم كانوا يهدفون إلى القضاء على الآثار الإيرانية العظيمة، وإن كان من الأفضل أن تُخرب، حتى لا يستولي عليها العرب أكلة الفئران بدل الملوك الساسانيين، فماذا جلب لنا هؤلاء من الصحارى العربية المحرقة: قبضة من الوضاعة والرذالة، وقبضة من الأوهام التافهة، التي فرضوها علينا بقوة السيف".(53)  
   وفي موضع آخر يقول على لسان شخصية أخرى:"لم يسلم مكان في إيران من دناسة العرب؛ فقد أغاروا على كل ممتلكات "مازيار" ونهبوها ثم أحرقوا قصره، وقسّم قادة الجيوش العرب الفتيات اللواتي أسروهن من طبرستان بينهم، باستثناء فتاة واحدة هي أخت مازيار "كرد آفريد" التي حملوها إلى الخليفة .....، ووهبوا أخواته الأخريات إلى قادة الجيوش العربية.(54)  
  يستمر صادق هدايت في توجيه التهم المتعددة، والإهانات المختلفة إلى العرب من خلال هذه المسرحية، دون أن يردعه رادع أو يحول بينه وبين هذه العداوة المفتعلة والحقد الدفين، الذي يكّنه للعرب أي حائل، والهدف من ذلك التأصيل للهوية الإيرانية المخدوشة، وتعزيز النزعة القومية المزعومة، وإحيائها في نفوس الجيل الجديد من الإيرانيين فيقول:"لا شك أن العرب أعداؤنا إلا أنهم حمقى ويمكن خداعهم بسهولة"(55)، ويردف قائلا:"هؤلاء العرب اللصوص قطّاع الطرق الذين حصلوا على الثروة والسلطة حديثاً، يسعون إلى صبغ العدالة بحقاراتهم، والأسوء من ذلك الإيرانيون الذين يرّوجون لأفكارهم الوضيعة لأسباب واهية ويحركونهم ضدنا....فالإيرانيون هم الذين علّموا العرب آداب الحياة والحضارة وطريق العظمة، إلا أنهم يتعاملون معنا هكذا!"(56)؛ بل إن صادق هدايت لا يفرق بين العرب واليهود فها هو يقول:" إن العرب واليهود من عرق واحد"(57)، ويقصد أنهم ساميون، ويضيف: "هؤلاء العرب الوضيعون الذين لا أصل ولا نسب لهم يتلذذون في إيذاء العظماء وتعذيبهم".(58)  
  وهكذا نرى أن الخطاب القومي كان الشغل الشاغل لصادق هدايت، وقد جاء واضحاً جلياً من خلال هذه المسرحية التاريخية التي وظّف فيها شخصية "مازيار" فاصطادها بحنكة، واستدعاها من التاريخ من أجل التأكيد على النزعة القومية، ومن ثم فإننا نرى أن النزعة القومية عند هدايت تحولت إلى الشوفينية والتمييز العنصري؛ ففي سبيل التأصيل لهذه النزعة والتأثيل لها نراه يهاجم العرب والإسلام، ويلقي التهم جزافاً دون رادع أو حسيب، وهذا ما فعله أيضاً في ترجمة كتاب "الحائط" عندما عمل على نقل قصة "بنات أوى والعرب"(59) عن فرانز كافكا، الذي وقع تحت تأثيره، وكان معجباً به كما أشير سابقاً، فجاءت قومية هدايت تلقينات لكتّاب سبقوه في هذا المجال، من أمثال فتح علي أخوند زاده، والميرزا آغا خان الكرماني، التي راجت في إيران بين الطبقة المتوسطة والبرجوازية بعد الحركة الدستورية.
   وأخيراً لا بدّ من القول بأن صادق هدايت كان يمثل دور المثقف والمصلح المهزوم، الذي عاد من دراسته في الغرب، وأراد أن يخدم أبناء جلدته، فواجه تحديات جمّة تمثلت في الفقر، والجهل، والأمية، والاستبداد السياسي، والاجتماعي، مما أوجد شرخاً في شخصيته التي كانت تتنازع بين الروح الإيرانية والأروبية، ونتيجة لذلك سيطرت عليه روح اليأس، والشك، والقنوط، ولجأ إلى العزلة والانزواء، وانكفأ هدايت الغريب عن وطنه، والمهزوم في إصلاح مجتمعه على نفسه، ووقع أسيراً لأزمة روحية عصفت به، وقادته إلى البحث عن الهوية الجمعية للإيرانيين، إذ كانت فكرة القلق على مصير إيران، التي برزت في أغلب آثاره تطارده وتقضّ مضجعه ليل نهار، وقد شرع من خلال الخطاب القومي، ونزعته القومية المتشددة بتبيين"ثورة الروح الآرية على الاعتقادات السامية" في معظم أثاره المؤلفة والمترجمة؛ هادفاً إلى تقديم نماذج من مقاومة الإيرانيين مقابل العرب الدخلاء؛ فقد كان صادق هدايت حسب تعبير الناقد الإيراني المشهور حسن مير عابديني يضع الحطب على نار المشاعر الوطنية المفرطة عن طريق قصصه التاريخية.(60)  

   النتيجة
     لقد برز الخطاب القومي في الأدب الفارسي المعاصر الذي حاول إحياء الحركة الشعوبية في القرن العشرين عند أغلب الكتّاب والأدباء والمثقفين الإيرانيين جلياً واضحاً؛ إذ إن معظم هؤلاء قد عملوا على إحياء هذا الخطاب في عصر اليقظة القومية، التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونضجت مع بدايات القرن العشرين في عهد الثورة الدستورية، وأخذت منحاً متشدداً في عصر الأسرة البهلوية، وتصاعدت في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية، ولذلك كان الخطاب القومي هو الخصوصية التي طغت على أغلب آثار صادق هدايت: الروائية، والقصصية، والمسرحية، وقد رأينا نماذج منها؛ إذ إن الصور والأوصاف، وحتى الشخصيات التي يقدّمها في آثاره، غالباً ما تتميز بالصبغة القومية؛ فقد بحث هذا الأديب في آثاره عن العظمة المفقودة لإيران في مرحلة ما قبل الإسلام، ووقع أسيراً  للعصر الساساني والثقافة الزرادشتية، التي اتخذ منها وسيلة للهجوم على الدين الإسلامي، والاستهزاء بكل المعتقدات الدينية؛ فقد كان الخطاب القومي الشغل الشاغل لهذا الكاتب، الذي تأثر كسائر مثقفي عصره لأسباب كثيرة بالنزعة القومية والشوفينية، التي عملت على إلقاء اللوم على الإسلام والفاتحين العرب، ولذلك فقد شكّل الخطاب القومي المضمون الأول الذي تكرر في كل آثاره تقريباً، أما المضمون الثاني فكان النزعة التشاؤمية التي طغت على أعماله والتي قادته في النهاية إلى الانتحار.

الهوامش والتعليقات
 (1) ادبيات امروز إيران، مرورى بر تاريخ ادب وادبيات امروز ايران، محمد حقوقي، چاپ اول، نشر قطرة، طهران، 1377ج1، ص75، (بالفارسية) وانظر كارنامه نثر معاصر، الدكتور حميد عبد اللهيان، چاپ اول، نشر بايا، طهران، 1379، ص 43، (بالفارسية) ومن الجدير بالذكر أن "مجموعة الأربعة" تشّكلت من صادق هدايت الذي كان يعرف الفرنسية ويتقنها، والذي كتب"ظل المغول"، وبزرك علوي الذي كان يعرف الألمانية، والذي كتب "ديو" (الغول) حول الهجوم العربي، وشيراز بور برتو الذي كان يعرف الإنجليزية، والذي كتب"شب بد مست"( الليل الغارق في الثمالة) حول حملة الإسكندر المقدوني، ومجتبى مينوى الذي كان يعرف العربية، والذي كان مسرحية "مازيار" بالاشتراك مع هدايت، ومن الجدير بالذكر أيضاً أن بزرك علوي كان مثل هدايت غاضباً من سيطرة العرب على إيران، إلا أنه تراجع عن موقفه هذا فيما بعد، انظر رواية "بنچاه وسه نفر"، بزرك علوي، چاپ اول، نشر فرزانه، طهران، د.ت، ص 193، (بالفارسية) وكتاب نقد آثار بزرگ علوی، عبد العلي دستغيب، چاپ اول، نشر فرزانه، طهران، ص 191.(بالفارسية)
 (2) انظر كتاب: از نيما تا روزگار ما، یحیی آرین پور، چاپ سوم، زوار، طهران ، 1379،ج3، ص 347(بالفارسية)، ومقالة "صادق هدایت: آشنایی با زندگی صادق هدایت نویسنده معاصر" على موقع صادق هدايت على الرابط التالي:     http://hedayatsadegh.blogsky.com                       ومن الجدير بالذكر أن محمد علي جمال زادة، الذي يعدّ مؤسس القصة القصيرة في الأدب الفارسي المعاصر کتب عام 1940م قصة موسومة بـ "دار المجانین" تنبأ فيها بانتحار صادق هدايت، وقد جاء تأثر جمال زادة بـ" البومة العمياء" واضحاً في قصته هذه؛ بل إن بعض النقاد الإيرانيين ذهبوا إلى أن هذه القصة هي رصد لسيرة صادق هدايت وحياته، وفي القصة ما يشير إلى ذلك صراحة؛ من حیث أسماء الشخصیات والأحداث، لمزيد من التفصيل انظر: از نيما تا روزگار ما، یحیی آرین پور،ج3، ص 348 وما بعدها(بالفارسية)، ومقالة: "دار المجانين جمال زاده  وپیش بینی ادبی خودکشی صادق هدایت" على الرابط التالي:
                  http://dibache.com/text.asp?cat=43&id=2424
بل إن الدكتور سروش آبادي وهوشنك بيماني وبرويز داريوش وآخرين قد اتهموا صادق هدايت بالجنون والأمراض النفسية، وعدّوا كتاباته مضللة ومخربة لأفكار المجتمع، انظر كتاب: از نيما تا روزگار ما، یحیی آرین پور، ج3، ص 348( الهامش) وكتاب: از كاروان حله، داريوش صبور، چاپ اول، نشر سخن، طهران 1383، ص 363. (بالفارسية)
(3) "ناسيوناليزم رومانتيک در آثار صادق هدايت"، على رضا ذاكر اصفهاني، على الرابط التالي: 
http://www.porsojoo.com/fa/node/3379                                                                 وانظر كتاب ادبيات نوين ايران، ترجمه وتدوين يعقوب آژند، چاپ اول، أمير كبير، طهران، 1363، ص 156 وما بعدها.(بالفارسية)
 (4) انظر كتاب تحليل سير نقد داستان در ايران، دكتر محسن ذو الفقاري، چاپ اول، نشر آتيه، طهران،1379، صص 31-62، (بالفارسية) حيث عرض المؤلف لعشر دراسات تناولت رواية البومة العمياء بالدراسة والبحث والتحليل، من حيث مناهج النقد النفسي، والاجتماعي، والسياسي، والديني، والرمزي، والأخلاقي، والفلسفي، وانظر كذلك مقالة "هدايت بوف كور" في كتاب: هفت مقاله، جلال آل احمد، چاپ اول، أمير كبير، طهران، 1370، ص 3 -25. (بالفارسية)
(5) انظر البومة العمياء وقصص أخرى، صادق هدايت، ترجمة الدكتور إبراهيم الدسوقي شتى، الطبعة الثانية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1990.
(6) انظر البومة العمياء، صادق هدايت، ترجمة عمر عدس، الطبعة الأولى، منشورات الجمل، ألمانيا،1999م.
(7) انظر البومة العمياء، صادق هدايت، ترجمة سليم الصويص، الطبعة الأولى، دار ورد، عمان، 2009، والرابط التالي:          http://www.aleqt.com/2009/09/30/article_281690.html
(8) ادبيات فارسى از عصر جامى تا روزگار ما، دكتر محمد رضا شفيعى كدكنى، چاپ اول، نشر نى، طهران،1378، ص 107، (بالفارسیة) وانظر ترجمة هذا الكتاب: الأدب الفارسي منذ عصر الجامي وحتى أيامنا، ترجمة الدكتور بسام ربابعة، عالم المعرفة، عدد 368، الکویت، 2009، ص123 .
(9) انظر صد سال داستان نويسى ايران، حسن مير عابديني، چاپ دوم، نشر جشمه، طهران، 1380،ج1، ص 91 (بالفارسیة)
(10) انظر مقالة: هدايت وكافكا، دكتر محمود فلكي على الرابط التالي:
 http://kafkaclub2.cloob.com/club/article/show/articleid/56232    وانظر كتاب: بیگانگی در آثار کافکا وتأثیر کافکا بر ادبیات مدرن فارسى، دكتر محمود فلكي، چاپ اول، نشر تات، طهران، 1388،(بالفارسية)  وانظر عرض هذا الكتاب في عدة حلقات على الرابط التالي:

  http://www.iran-emrooz.net/index.php?/think/more/9188/     

(11) ترانه هاى خيام، صادق هدايت، چاپ چهارم، أمير كبير، طهران، 1313(1934) ص17، (بالفارسیة)  وانظر: از نيما تا روزگار ما، یحیی آرین پور،ج3، ص 378 وما بعدها، ومقالة "ناسيوناليزم رومانتيک در آثار صادق هدايت"، علي رضا ذاكر اصفهاني، على الرابط التالي:
                                     http://www.porsojoo.com/fa/node/3379
 (12) انظر خيام صادق، جهانگير هدايت، چاپ اول، نشر جشمه، طهران، 1382.(بالفارسية)
(13) لمزيد من المعلومات عن حياة صادق هدايت وآثاره انظر: از نيما تا روزگار ما، یحیی آرین پور، ج3، ص419 – ص 424، وانظر كذلك قائمة بآثار هدايت مرتبة حسب سنة نشرها على الرابط التالي: http://farsika.ir/article/?link=826        
 (14) انظر كارنامه نثر معاصر، دكتر حميد عبد اللهيان، ص 51 .
(15) انظر المصدر السابق، ص47.
(16) الترجمة والمثاقفة: كتاب معاداة العرب في الأدب الإيراني المعاصر نموذجاً، بسام علي ربابعة، مجلة فصول، عدد 74 ، خريف 2008م، صص181- 199.
 (17) عرب ستيزى در ادبيات معاصر ايران، جويا بلوندل سعد، ترجمة فرناز حائرى، چاپ اول، كارنك، طهران، 1382، ص17. (بالفارسية)
(18) المصدر السابق، ص10-11.
(19) المصدر السابق، ص 7.
(20) ادبيات فارسى از جامى تا روزگار ما، دكتر محمد رضا شفيعي كدكني، ص 106، وانظر الترجمة العربية لهذا الكتاب صص 122  - 123.
(21) "العرب في  الأدب الفارسي المعاصر"، يوسف عزيزي، موقع:
         ALMUSTGBAL.JEERAN.COM WWW.
(22) عرب ستيزى در ادبيات معاصر ايران، جويا بلوندل سعد، ترجمة فرناز حائري، ص 7-8.
 (23) "العرب في الأدب الفارسي المعاصر"، يوسف عزيزي، موقع:
        ALMUSTGBAL.JEERAN.COM WWW.
(24) "الحوار الثقافي الفارسي – العربي" ، علي خسرو أكبر، ولمزيد من التفصيل يمكن مراجعة هذه المقالة المنشورة على الشبكة العنكبوتية موقع:
  www.elaph.com                        
(25) بوف كور، صادق هدايت، چاپ چهاردهم، أمير كبير، طهران، 1351، ص18،(بالفارسية) ، ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن النصوص الواردة في هذه الدراسة من ترجمة صاحب المقالة، ومن الجدير بالذكر أن بعض النقاد الإيرانيين قد شككوا في نسبة رواية "البومة العمياء" لصادق هدايت؛ إذ ذهب عنایت الله دستغیبی في مقالة له تحت عنوان "البومة العمياء أثر من هدایت أم ایرونیك؟" إلى أن هذه الرواية اقتباس من رواية "مغامرة طالب ألماني" لواسکین ایرونیك. لمزيد من التفصيل انظر الرابط التالي:


(26) القرآن الكريم، سورة المائدة، آية 38.
(27) يعتقد الباحث أن كتاب "الخدمات المتقابلة بين الإسلام وإيران" لمؤلفه مرتضى مطهري جاء رداً على الخطاب القومي في الأدب الفارسي المعاصر، وما ضمن من إهانة وطعن وتحقير للإسلام والعرب، ومن هنا يمكننا القول بأن هذا الكتاب جاء تكفيراً عن الخطيئة التي ارتكبتها الحركة التنويرية في إيران ممثلة ببعض المثقفين والمستنيرين الإيرانيين منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم.
لمزيد من التفاصيل انظر كتاب: خدمات متقابل اسلام وايران، مرتضى مطهري، چاپ بیست وششم، نشر صدر، طهران، 1377،(بالفارسية)، علماً بأن هذا الكتاب ترجم إلى اللغة العربية.
(28)  صادق جوبك، سفر مازندران، چاپ أمريكا، ص 680، نقلاً عن مقالة "صادق هدایت آشنایی با زندگی صادق هدایت نویسنده معاصر" على موقع صادق هدايت على الرابط التالي:
http://hedayatsadegh.blogsky.com                                                
 (29) زوجة الراوي التي كانت زوجته اسماً؛ إذا لم تعطه من حقوقه شيئاً، في حين كانت تدخل
الآخرين إلى منامها.
(30) صادق هدايت، بوف كور، ص 77.
(31) المصدر السابق.    
 (32) Elton Daniel, " History as a Theme of the Blind owl" Hedayat's The Blind owl Forty years after, Edited by Michael Craig Hillman (Austin – TX: The university of Texas at Austin Center Formiddle Eastern Studies, Midlle East monographs No. 4 (1978) P. 82
نقلاً عن جويا بلوندل سعد،عرب ستيزى در ادبيات معاصر ايران،  ترجمة فرناز حائرى، ص 87.
(33) مدينة تقع اليوم في جنوب طهران، وفيها بعض الآثار التاريخية التي ما زالت شامخة حتى الآن.
(34) جويا بلوندل سعد، عرب ستيزى در ادبيات معاصر ايران، ترجمة فرناز حائري، ص 56.
 وانظر كذلك هفت مقاله، جلال آل احمد، ص 11.
(35) انظر هدایت، بوف کور وناسیونالیسم، دكتر ما شاء الله آجوداني، چاپ اول، فصل كتاب، لندن، 2006م، وانظر عرض هذا الكتاب في مقالة للدكتور شاداب وجدي في موقع الدكتور ما شاء الله آجوداني على الرابط التالي:


 كما قدّم الدكتور محمود فلكي مقالة نقدية لهذا الكتاب تحت عنوان"ناسيوناليسم يا شووينيسم" (القومية أم الشوفينية) يمكن الاطلاع عليها على الرابط التالي:


في حين ذهب جلال آل أحمد الكاتب الإيراني المشهور إلى أن "البومة العمياء" تشّكل وثيقة تاريخية، وسنداً لإدانة حكومة الظلم والاستبداد، بالإضافة إلى قيمتها الفنية، انظر كتاب هفت مقاله، جلال آل احمد، ص17.
(36) انظر کتاب تشيع علوي وتشيع صفوي، علي شريعتي، چاپ اول، نشر حسينية إرشاد، طهران، 1350، ص 65. (بالفارسية)

(37) البعثة الاسلامية الى البلاد الإفرنجية، كاروان حله، صادق هدايت، به كوشش بهرام جوبينه، چاپ دوم، باريس1361،(بالفارسیة ويمكن تحميل الكتاب على الرابط التالي: http://ettelaat.net/hedayat.pdf

(38) لمزيد من التفصيل: انظر راز شهرت صادق هدايت، سيد امين حسين، موقع كانون انديشه جوان، على الرابط التالي: http://www.canoon.org/dialog/000089.php
(39) انظر البعثة الاسلامية الى البلاد الإفرنجية، صادق هدايت، به کوشش بهرام جوبينه، ص 7.
(40) انظر المصدر السابق، ص 15.
(41) انظر ويكي بيديا، كاروان اسلام أو البعثة الاسلامیة إلی البلاد الإفرنجیة على الرابط التالي:
http://fa.wikipedia.org/wiki/%DA%A9%D8%A7%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85

(42) انظر مقالة "صادق هدايت والكلب الضال"، في موقع الدكتور بسام ربابعة على الرابط التالي: http://wwwdrrababah.blogspot.com/2010/10/blog-post_6798.html

(43) انظر صد سال داستان نويسى ايران، حسن مير عابديني، 1380، چاپ دوم، جشمه، تهران، ج 1، ص 212 وما بعدها. (بالفارسية)
(44) قصة الكلب الضال، صادق هدايت، ترجمة الدكتور عارف الزغول، مجلة كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر، عدد 45 ، صص 113-154، يناير 2009. والترجمة منشورة على موقع صاحب المقالة على الرابط السابق.
 (45) انظر كتاب مازيار، صادق هدايت ومجتبى مينوي، چاپ دوم، أمير كبير، طهران، 1342ويمكن تحميل الكتاب على الرابط التالي:                http://www.98ia.com/News-file-article-sid-377.html
 ومن الجدير بالذكر أن بعض النقاد قد صرح بأن مسرحية"مازيار" أثر ضعيف، في حين كانت البومة العمياء أثراً قوياً وناضجاً فنياً.
 (46) انظر صادق هدايت، مازيار، ص 11 و 40.
 (47) انظر المصدر السابق، ص 13، 45، 95، 103، 105، 106، 117، 118، 120، 122، 123.
(48) ادبيات امروز ايران،ج1، ص 76.(بالفارسية)
(49) انظر صادق هدايت ، مازيار، ص 96، 106.
(50) انظر المصدر السابق، ص 100.
(51) انظر المصدر السابق، ص 96.
(52) انظر المصدر السابق، ص 98.
(53) انظر المصدر السابق، ص ص 106- 107.
(54) انظر المصدر السابق، ص 106.
(55) انظر المصدر السابق، ص 118.
(56) انظر المصدر السابق، ص 122.
(57) انظر المصدر السابق، ص 123.
(58) انظر المصدر السابق، ص 132 وانظر مقالة "هدايت وكافكا"، دكتر محمود فلكي على الرابط التالي: http://kafkaclub2.cloob.com/club/article/show/articleid/56232   
 (59) انظر ترجمة هذه القصة وتحليلها في كتاب: درباره نقد ادبي، دكتر عبد الحسين فرزاد، چاپ دوم، نشر قطره، طهران، 1378، ص 211 – ص 221.(بالفارسية)
(60) انظر صد سال داستان نويسى ايران، حسن مير عابديني، ج1، ص 94.

ليست هناك تعليقات:

الربابعة يترجم كتابين من الأدب الفارسي المعاصر خبر صدور كتاب أنطولوجيا الرواية الفارسية المعاصرة  وكتاب مراحل  الشعر   الفارسي على موقع جامع...